قال تعالى: { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) } [هود/1-3]
هَذَا كِتَابٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ جُعِلَتْ آيَاتُهُ مُحْكَمَةَ النَّظْمِ ، مُتْقَنَةَ البُنْيَانِ وَالتَّأْلِيفِ ، وَاضِحَةَ المَعَانِي ، وَجُعِلَتْ فُصُولًا مُتَفَرِّقَةً فِي سُوَرِهِ ، ثُمَّ فُصِلَّتْ أَحْكَامُها ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ مِنْ عِنْدِ آلهٍ حَكِيمٍ يُقَدِّرُ حَاجَةَ العَبِيدِ ، خَبِيرٌ يَضَعُ الأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا .أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ - نُظِمَتْ نَظْمًا مُحْكَمًا رَصِينًا .
وَأَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ ، بِأَنْ لاَ تَعْبُدُوا غَيْرَهُ آلهًا ، وَبِأَنْْ لاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا . وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ: إِنَّ اللهَ أَرْسَلَنِي نَذِيرًا مِنَ العَذَابِ إِنْ خَالَفْتُمُوهُ ، وَبَشِيرًا بِالثَّوَابِ إِنْ أَطَعْتُمُوهُ.
وَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ مُتَضَرِّعِينَ إِلَيْهِ أَنْ يَغْفِرَ لَكُمْ مَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ أَعْمَالِ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ وَالإِجْرَامِ ، ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ ، وَبِإِخْلاَصِ العِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ، وَاسْتَغْفَرْتُمْ رَبَّكُمْ ، وَتُبْتُمْ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ يُمَتِّعُكُمْ فِي الدُّنْيا مَتَاعًا حَسَنًا ، وَيَرْزُقُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ، وَيَنْسَأُ لَكُمْ فِي آجَالِكُمْ إلَى الوَقْتِ الذِي قَضَى عَلَيْكُمْ فِيهِ بِالمَوْتِ ، وَيَجْعَلُكُمْ خَيْرَ الأُمَمِ نِعْمَةً وَقُوَّةً وَعِزَّةً ، وَيُعْطِي كُلَّ ذِي فَضْلٍ ، مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ ، جَزَاءَ فَضْلِهِ . أَمَّا إِنْ تَوَلَّيْتُمْ وَأَعْرَضْتُمْ عَمَّا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرِ الهَوْلِ ، شَدِيدِ البَأْسِ .
وقال تعالى: { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) } [هود/50-52]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا هُودًا عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى قَوْمِ عَادٍ ، وَهُوَ مِنْهُمْ ( أَخَاهُمْ ) لِيَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَتَرْكِ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ التِي افْتَرُوهَا كَذِبًا ، وَاخْتَلَقُوا لَهَا الأَسْمَاءَ الإِلَهِيَّةَ .
وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُرِيدُ مِنْهُمْ أَجْرًا عَلَى نُصْحِهِ لَهُمْ وَإِبَلاَغِهِ إِيَّاهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمِ ، وَإِنَّمَا يَبْغِي الثَّوَابَ مِنَ اللهِ ، الذِي خَلَقَهُ عَلَى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ ، مُبَرَّأٌ مِنَ البِدَعِ .
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَفَلاَ تَعْقِلُونَ مَا يُقَالُ لَكُمْ فُتُمَيِّزُونَ بَيْنَ ما يَضُرُّ وَمَا يَنْفَعُ ، وَأَنَّ مَنْ يَدْعُوكُمْ إِلَى مَا يُصْلِحُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا .
وَأَمَرَ هُودٌ قَوْمَهُ بِاسْتِغْفَارِ رَبِّهِمْ مِنَ الشِّرْكِ ، وَمِمَّا أَسْلَفُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَبِإِخْلاَصِ التَّوْبَةِ إِلَيْهِ عَمَّا يَسْتَقْبِلُونَهُ ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَنْ تَابَ إِلَى رَبِّهِ وَاسْتَغْفَرَهُ ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ، وَسَهَّلَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، وَحَفِظَ شَأْنَهُ ، وَأَرْسَلَ السَّمَاءَ عَلَيْهِ بِالمَطَرِ المُتَتَابِعِ ، وَالإِسَاءَةِ إلى النَّاسِ .
وقال تعالى: { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) } [هود/61]
يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ بَعَثَ إِلَى قَوْمِ ثَمُودَ رَسُولًا مِنْهُمْ هُوَ صَالِحٌ ( وَهُمْ قَوْمٌ كَانُوا يَسْكُنُونَ مَدَائِنَ الحِجْر بَيْنَ تَبُوكَ وَالمَدِينةِ ، وَكَانُوا بَعْدَ قَوْمِ عَادٍ فَأَمَرهُمْ صَالِحٌ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَقَالَ لَهُمْ إِنَّ اللهَ هُوَ الذِي خَلَقَ أَبَاكُمْ آدَمَ مِنْ تُرابٍ ، وَجَعَلَكُمْ تُعَمِّرُونَ الأَرْضَ ، وَتَسْتَغِلُّونَهَا ، فَاسسْتَغْفِرُوهُ عَمَّا سَلَفَ مِنْكُمْ مِنْ ذُنَوبٍ ، وَتُوبُوا إِلَيهِ فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَه ، فَإِنَّ رَبِّي قَريبٌ ، يَسْمَعُ دَعْوَةَ مَنْ دَعَاهُ ، وَيُجِيبُهُ إذا كَانَ مُؤْمِنًا ، مُخْلِصًا فِي دَعْوَتِهِ .
وقال تعالى على لسان النبي شعيب عليه السلام: { وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) } [هود/89، 90]
وَتَابَعَ شُعَيْبٌ حَدِيثَهُ مَعَ قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ لاَ يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضِي وَعَدَاوَتِي عَلَى الإِصْرَارِ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وَالفَسَادِ ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ غَرَقٍ ، وَقَوْمَ هُودٍ ، مِنْ عَذَابِ الرَّيِحِ العَقِيمِ ، وَقَوْمَ صَالِحٌ مِنْ عَذَابَ يَوْمَ الظُلَّةِ ، وَقَوْمَ لُوطٍ المُجَاوِرِينَ لَكُمْ مِنْ هَلاكٍ شَامِلٍ وَعَذَابٍ ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ ، وَعُتُوِّهِمْ عَنْ أَمْرِهِ ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ .
وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ رَبَّكُمْ مِمَّا أَسْلَفْتُمْ مِنْ ذُنُوبٍ ، وَتُوبُوا إِلَيهِ فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَيَّامِكُمْ عَنِ الأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ ، إِنَّ رَبِّي وَدُودٌ ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِمَنْ أَخْلَصَ التَّوْبَةَ إِلَيْهِ .
ــــــــــــــ