فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 155

قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) } [التحريم/8 ]

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً صَادِقَةً جَازِمَةً تَمْحُو مَا سَبَقَهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ .

"وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ فَقَالَ: هُوَ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ حِينَ يَفْرُطُ مِنْكَ ، فَتَسْتَغْفِرُ الله بِنَدَامَتِكَ مِنْهُ عِنْدَ الحَاضِرِ ، ثُمَّ لاَ تَعُودُ إِليهِ أَبدًا" ( أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ) .

ثُمَّ يُبَيِّنُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ إِنْ تَابُوا تَوْبَةً نَصُوحًا تَابَ اللهُ عَليهِمْ ، وَغَفَرَ لَهُمْ ، وَأَدخَلَهُمْ بِرَحْمَتِهِ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا فِي يَوْمِ القِيَامَةِ . وَهُوَ اليومُ الذِي يَرْفَعُ الله فِيهِ قَدْرَ رَسُولِهِ الكَرِيمِ ، وَقَدْرَ المُؤْمِنينَ مَعَهُ . وَيَجْعَلُ نُورَهُمْ فِي ذَلِكَ اليَومِ يَسْعَى بَينَ أَيْدِيهِمْ ، حِينَ يَمْشُونَ وَكُتُبُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ ، وَيَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يُبْقِي لَهُمْ نُورَهُمْ ، فَلا يَطْفِئُهُ حَتَّى يجُوزُوا الصِّرَاطَ بِهِ ، وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِم السَّالِفَةِ ، وََيَقُولُونَ: رَبَّنَا العَظِيمَ إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَلاَ يُعْجِزُكَ شَيءٌ .

وقال القرطبي:"اختلفت عبارة العلماء وأرباب القلوب في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا؛ فقيل: هي التي لا عَوْدة بعدها كما لا يعود اللّبن إلى الضَّرع؛ وروي عن عمر وابن مسعود وأُبَيّ بن كعب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم . ورفعه مُعاذ إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - . وقال قتادة: النَّصُوح الصادقة الناصحة . وقيل الخالصة؛ يقال: نصح أي أخلص له القول . وقال الحسن: النَّصُوح أن يُبْغِض الذنب الذي أحبّه ويستغفر منه إذا ذكره . وقيل: هي التي لا يثق بقبولها ويكون على وَجَل منها . وقيل: هي التي لا يحتاج معها إلى توبة . وقال الكلبيّ: التوبة النصوح النّدم بالقلب ، والاستغفار باللسان ، والإقلاع عن الذنب ، والاطمئنان على أنه لا يعود . وقال سعيد بن جُبير: هي التوبة المقبولة؛ ولا تقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط: خوف ألا تقبل ، ورجاء أن تقبل ، وإدمان الطاعات . وقال سعيد بن المسيّب: توبة تنصحون بها أنفسكم . وقال القرظي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان ، والإقلاع بالأبدان ، وإضمار ترك العَوْد بالجنَان ، ومهاجرة سيء الخِلان . وقال سفيان الثَّوْري: علامة التوبة بالنصوح أربعة: القِلّة والعِلة والذِّلّة والغُرْبة . وقال الفُضَيل ابن عياض: هو أن يكون الذنب بين عينيه ، فلا يزال كأنه ينظر إليه . ونحوه عن ابن السّماك: أن تَنصِب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك وتستعدّ لمنتظرك . وقال أبو بكر الوَرَّاق: هو أن تضيق عليك الأرض بما رحُبَت ، وتضيق عليك نفسك؛ كالثلاثة الذين خُلِّفوا . وقال أبو بكر الواسطي: هي توبة لا لفقد عِوض؛ لأن من أذنب في الدنيا لرَفَاهِية نفسه ثم تاب طلبًا لرفاهيتها في الآخرة؛ فتوبته على حفظ نفسه لا لله . وقال أبو بكر الدَّقاق المصري: التوبة النصوح هي ردّ المظالم ، واستحلال الخصوم ، وإدمان الطاعات . وقال رُوَيْم: هو أن تكون لله وجهًا بلا قَفَا ، كما كنت له عند المعصية قَفًا بلا وجه . وقال ذو النُّون: علامة التوبة النصوح ثلاث: قِلّة الكلام ، وقِلّة الطعام ، وقِلّة المنام . وقال شقيق: هو أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة ، ولا ينفك من الندامة؛ لينجوَ من آفاتها بالسلامة . وقال سَرِيّ السَّقَطِيّ: لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين؛ لأن من صحب توبته أحبّ أن يكون الناس مثله . وقال الجُنَيْد: التوبة النصوح هو أن ينسى الذنب فلا يذكره أبدًا؛ لأن من صحّت توبته صار مُحبًا لله ، ومن أحبّ الله نَسِيَ ما دون الله ."

وقال ذو الأُذَنَيْن: هو أن يكون لصاحبها دمعٌ مسفوح ، وقلبٌ عن المعاصي جَمُوح . وقال فتح المَوْصِليّ: علامتها ثلاث: مخالفة الهوى ، وكثرة البكاء ، ومكابدة الجوع والظمأ . وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَرِيّ: هي التوبة لأهل السنة والجماعة؛ لأن المبتدع لا توبة له؛ بدليل:

قوله - صلى الله عليه وسلم -:"حجب الله على كل صاحب بدعة أن يتوب"وعن حُذَيْفَة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه . وأصل التوبة النصوح من الخلوص؛ يقال: هذا عَسَلٌ ناصح إذا خَلَص من الشَّمْع . وقيل: هي مأخوذة من النَّصاحة وهي الخياطة . وفي أخذها منها وجهان: أحدهما لأنها توبة قد أحكمت طاعته وأوثقتها كما يحكم الخيّاط الثوب بخياطته ويوثقه . والثاني لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء الله وألصقته بهم؛ كما يجمع الخياط الثوب ويُلصق بعضه ببعض . وقراءة العامة «نَصُوحًا» بفتح النون ، على نعت التوبة ، مثل امرأة صبور ، أي توبة بالغة في النصح . وقرأ الحسن وخارجة وأبو بكر عن عاصم بالضم؛ وتأويله على هذه القراءة: توبةُ نصح لأنفسكم . وقيل: يجوز أن يكون «نُصُوحًا» ، جمع نُصح ، وأن يكون مصدرًا ، يقال: نصح نصاحة ونُصُوحا . وقد يتفق فعالة وفعول في المصادر ، نحو الذِّهاب والذُّهوب . وقال المبرّد: أراد توبة ذات نُصح ، يقال: نصحت نصحًا ونَصاحة ونُصوحًا .

الثانية: في الأشياء التي يُتاب منها وكيف التّوبة منها . قال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو ، إما أن يكون حقًا لله أو للآدميين . فإن كان حقًا لله كترك صلاة فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاءُ ما فات منها . وهكذا إن كان ترك صوم أو تفريطًا في الزكاة . وإن كان ذلك قتلَ نفس بغير حق فأن يُمَكِّن من القصاص إن كان عليه وكان مطلوبًا به . وإن كان قذفًا يوجب الحدّ فيبذل ظهره للجلد إن كان مطلوبًا به . فإن عُفِيَ عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص . وكذلك إن عُفيَ عنه في القتل بمال فعليه أن يؤدِّيه إن كان واجدًا له ، قال الله تعالى: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } [ البقرة: 178 ] . وإن كان ذلك حدًا من حدود الله كائنًا ما كان فإنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه . وقد نصّ الله تعالى على سقوط الحدّ عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم . وفي ذلك دليل على أنها لا تسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم؛ حسب ما تقدم بيانه . وكذلك الشُّرّاب والسُّراق والزُّناة إذا أصلحوا وتابوا وعُرف ذلك منهم ، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدّهم . وإن رُفُعوا إليه فقالوا: تُبْنا ، لم يتركوا ، وهم في هذه الحالة كالمحاربين إذا غُلبوا ." [1] "

فإن الدعاء مأمور به وموعود عليه بالإجابة كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (60) سورة غافر

يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى دُعَائِهِ ، وَتَكَفَّلَ لَهُمْ بِالإِجَابَةِ عَلَى دُعَائِهِمْ؛ وَدُعَاءُ العَبْدِ رَبِّهُ دَلِيلٌ عَلَى إِيْمَانِهِ بِرَبِّهِ ، وَخَوْفِهِ مِنْهُ ، وَطَمَعِهِ فِي ثَوَابِهِ وَكَرَمِهِ ، وَرَحْمَتِهِ ، وَمَنْ اسْتَكْبَرَ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْتَمُّ بِإِجَابَةِ دُعَائِهِ لأَنَّهُ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ ، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الخَلاَئِقِ ، وَتَصْرِيفِ شُؤُونِهِمْ ، وَإحْصَاءِ أَعْمَالِهِمْ ، وَإِعَادَةِ بَعْثِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَيْهَا ، وَيَجْزِيَهُمْ بِهَا

وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ فَإِنَّهُ سَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَهُمْ أَذِلاءُ صَاغِرُونَ .

وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (186) سورة البقرة

وإذا سألك -أيها النبي- عبادي عني فقل لهم: إني قريب منهم، أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني، فليطيعوني فيما أمرتهم به ونهيتهم عنه، وليؤمنوا بي، لعلهم يهتدون إلى مصالح دينهم ودنياهم. وفي هذه الآية إخبار منه سبحانه عن قربه من عباده، القرب اللائق بجلاله.

وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ » . ثُمَّ قَرَأَ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر/60) [2] .

وعن عبد الله بن عمر ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَنْ أُذِنَ لَهُ بِالدُّعَاءِ مِنْكُمْ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ ، وَمَا يُسْأَلُ اللَّهُ شَيْئًا قَطُّ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَفْوَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [3]

وقال الكلاباذي:"فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ قَدْرِ الدُّعَاءِ ، وَالتَّنْبِيهِ لِعَظِيمِ الْمِنَّةِ ، وَشَرَفِ الْمَنْزِلَةِ أَعْطَى الْعَبْدَ مَا سُئِلَ أَوْ مَنَعَ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أُذِنَ لَهُ بِالدُّعَاءِ فَقَدْ جَذَبَهُ الْحَقُّ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ ، وَصَرَفَهُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَأَلْجَأَهُ إِلَى كَنَفِهِ ، وَضَمَّهُ إِلَيْهِ ، وَاخْتَصَّهُ بِهِ ، وَشَغَلَهُ بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ صَرَّفَ قَلْبَهُ بِالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ ، وَشَغَلَ لِسَانَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، وَذَمَّ جَوَارِحَهُ بِالْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَمَا تَدْرِي مَا صَنَعَ عِنْدَمَا أَعْطَى فُلَانًا ، أُعْطِيَ الْمُلْكَ كُلَّهُ لِمَكَانٍ مَا ، أُعْطِيَ فِي الدُّعَاءِ أَكْثَرَ ، عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَ لَا شَكَّ يُجَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ، هَذِهِ سِينُ التَّوْكِيدِ ، وَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ الْقَسَمِ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَعَانِي ، وَقَوْلُهُ فِيهِ إِضْمَارٌ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجِيبُهُ لَا غَيْرُهُ ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِذَا دُعِيَ بِأَسْمَائِهِ وَأُثْنِيَ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ ، لَا بُدَّ أَنْ يُجِيبَهُ ، لِأَنَّ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ رُجُوعَ الْعِلَّةِ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا ، لَا إِلَى الْعَبْدِ ، وَيَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ"، وَكَيْفَ لَا يُجِيبُهُ ؟ وَهُوَ يُحِبُّ صَوْتَهُ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا فَتَحَ عَلَيْهِ الدُّعَاءَ لَهُ . وَالْإِجَابَةُ نَوْعَانِ: قَدْ يَكُونُ بِالْمُرَادِ ، وَقَدْ لَا يَكُونُ ، وَالِاسْتِجَابَةُ لَيْسَ إِلَّا إِجَابَةٌ عَنِ الْمُرَادِ".

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ أَعْطَى أَرْبَعًا أُعْطِيَ أَرْبَعًا ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ أَعْطَى الذِّكْرَ ذَكَرَهُ اللهُ ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ، يَقُولُ: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ، وَمَنْ أَعْطَى الدُّعَاءَ أُعْطِيَ الإِجَابَةَ ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ، يَقُولُ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، وَمَنْ أَعْطَى الشُّكْرَ أُعْطِيَ الزِّيَادَةَ ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ، يَقُولُ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ،وَمَنْ أَعْطَى الاسْتِغْفَارَ أُعْطِيَ الْمَغْفِرَةَ ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ، يَقُولُ: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [4] .

قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ:وَقَدِ افْتَتَنَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ لا عِلْمَ لَهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا: نَدْعُو فَلا يُسْتَجَابُ لَنَا ، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، لأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}

وَقَالَ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} ، وَلِهَذَا مَعْنًى لا يَعْرِفُهُ إِلَّاأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ،رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّااسْتَجَابَ لَهُ ، فَهُوَ مِنْ دَعْوَتِهِ عَلَى إِحْدَى ثَلاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَإِمَّا أَنْ تُدَّخَرَ ، يُؤَخَّرَ ، فِي الآخِرَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يُدْفَعَ عَنْهُ مِنَ الْبَلاءِ مِثْلُهَا" [5] "

وعَنْ أنس بن مالك قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْتَحَ لِعَبْدٍ بَابَ الدُّعَاءِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الْإِجَابَةِ اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ ذَلِكَ" [6]

وعَنْ عَنْ قتادة ، أَنَّ أن أبا الدرداء ، قَالَ"مَنْ يُكْثِرْ قَرْعَ الْبَابِ ، بَابِ الْمَلِكِ ، يُوشِكْ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ ، وَمَنْ يُكْثِرِ الدُّعَاءَ يُوشِكْ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ" [7]

لكن الدعاء سببٌ مقتضٍ للإجابة معَ استكمال شرائطه ، وانتفاء موانعه ، وقد تتخلَّف إجابته ، لانتفاءِ بعض شروطه ، أو وجود بعض موانعه .

من أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى:

فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ » [8] .

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ وَبَعْضُهَا أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَيُّهَا النَّاسُ فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ » [9] .

ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه: « اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى إِنْ شِئْتَ ، ارْحَمْنِى إِنْ شِئْتَ ، ارْزُقْنِى إِنْ شِئْتَ ، وَلْيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ ، إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، لاَ مُكْرِهَ لَهُ » [10] .

ونُهي أنْ يستعجل ، ويتركَ الدعاء لاستبطاء الإجابة ، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِى » [11] .

وجعل ذلك من موانع الإجابة حتّى لا يقطع العبدُ رجاءه من إجابة دُعائه ولو طالت المدة ، فإنَّه سبحانه يُحبُّ المُلحِّين في الدعاء، فعَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا"إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاء" [12]

وعَنْ جَابِرٍ أَنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ إِنَّ جِبْرِيلَ مُوَكَّلٌ بِحَاجَاتِ الْعِبَادِ فَإِذَا دَعَاهُ عَبْدُهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ يَا جِبْرِيلُ احْبِسْ حَاجَةَ عَبْدِي هَذَا فَإِنِّي أُحِبُّهُ وَأُحِبُّ صَوْتَهُ ، وَإِذَا دَعَاهُ الْكَافِرُ قَالَ يَا جِبْرِيلُ اقْضِ حَاجَةَ عَبْدِي هَذَا فَإِنِّي أُبْغِضُهُ وَأَبْغَضُ صَوْتَهُ" [13] "

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءَ صَبًّا ، وَسَحَبَهُ عَلَيْهِ سَحْبًا ، فَإِذَا دَعَا ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: صَوْتٌ مَعْرُوفٌ ، وَقَالَ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: يَا رَبِّ عَبْدُكَ فُلَانٌ ، اقْضِ لَهُ حَاجَتَهُ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دَعُوا عَبْدِي ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ ، فَإِذَا قَالَ: يَا رَبِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَبَّيْكَ عَبْدِي ، وَسَعْدَيْكَ ، لَا تَدْعُونِي بشَيْءٍ إِلَّا اسْتَجَبْتُ لَكَ ، وَلَا تَسْأَلُنِي شَيْئًا إِلَّا أَعْطَيْتُكَ ، إِمَّا أَنْ أُعَجِّلَ لَكَ مَا سَأَلْتَ ، وَإِمَّا أَنْ أَدَّخِرَ لَكَ عِنْدِي أَفْضَلَ مِنْهُ ، وَإِمَّا أَنْ أَدْفَعَ عَنْكَ مِنَ الْبَلَاءِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ"قَالَ فِي الْحَدِيثِ:"لَا تَدْعُونِي لشَيْءٍ إِلَّا اسْتَجَبْتُ لَكَ"، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.

وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ: الْإِجَابَةُ نَوْعَانِ ، قَدْ يَكُونُ بِالْمُرَادِ ، وَقَدْ لَا يَكُونُ ، وَالِاسْتِجَابَةُ لَيْسَ إِلَّا إِجَابَةٌ عَنِ الْمُرَادِ ، فَقَدْ صَحَّ قَوْلُ أَصْحَابِ الْمَعَانِي: أَنَّ هَذِهِ السِّينَ تَقُومُ مَقَامَ الْقَسَمِ ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، فَمَا ظَنُّكَ إِذَا أَكَّدَ بِالْقَسَمِ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ:"أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ قُلْ لِظَلَمَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: لَا تَدْعُونِي ، فَإِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا يَدْعُونِي أَحَدٌ إِلَّا أَجَبْتُهُ ، وَإِنَّهُمْ إِنْ دَعَوْنِي أَجَبْتُهُمْ بِاللَّعْنَةِ"هَذَا مَعْنَى الرَّاوِيَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِلَفْظِهِ ، فَقَدْ أَخْبَرَ أَنْهُ يُجِيبُ مَنْ دَعَاهُ ، وَكَفَى بِهِ شَرَفًا أَنْ تَدَعُوَهُ فَيُجِيبَكَ ، فَأَمَّا السُّؤَالُ فَقَدْ شَرَطَ الِاخْتِيَارَ لَكَ ، كَمَا قَالَ:"إِمَّا أَنْ أُعَجِّلَ لَكَ ، أَوْ أَدَّخِرَ ، أَوْ أَدْفَعَ عَنْكَ"، فَحَسْبُكَ شَرَفًا أَنْ يَخْتَارَ لَكَ مَوْلَاكَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَأَنْ تُمْنَعَ مَا سَأَلْتَ أَعْظَمُ وَأَشْرَفُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ:"أَوْ أَدَّخِرَ لَكَ عِنْدِي"هَاهْ لَوْ عَلِمْتَ قَوْلَهُ:"عِنْدِي"لَهَانَ عَلَيْكَ أَنْ يُسْلَخَ جِلْدُكَ وَأَنْتَ حَيٌّ ، فَكَيْفَ بِمَا صَرَفَ عَنْكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ:"مَا يُسْأَلُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا"، أَمَّا الْعَفْوُ: فَأَنْ يَخْتَصَّكَ لِنَفْسِهِ ، وَيُسِرَّكَ عَنْ غَيْرِهِ ، فَيُعَفَّى عَلَى أَثَرِكَ ، فَلَا يُفْطَنَ بِكَ ، وَلَا يُعْرَفَ مَذْهَبُكَ ، فَيَفُوتَ عَدُوُّكَ إِنْ أَرَادَكَ وَسَائِرُ الْخَلْقِ أَنْ يَفْتِنُوكَ ، وَنَفْسُكَ أَنْ يُطَالِبَكَ بِحُظُوظِهَا . وَالْعَافِيَةُ أَنْ يَعْصِمَكَ عَمَّا سِوَاهُ ، فَلَا يَكُونُ لَكَ إِلَى غَيْرِهِ رُجُوعٌ ، وَلَا إِلَى سِوَاهُ نَظَرٌ ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الدُّعَاءُ مِثْلُ قَوْلِهِ: يَا اللَّهُ ، يَا رَحْمَنُ ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا دَعَاهُ ، وَوَصَفَهُ كَمَا هُوَ لَمْ يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ إِذَا دَعَوْا فَلَمْ يَصِفُوهُ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِجَابَةَ تَكُونُ اللَّعْنَةَ ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ لَبَّيْكَ . وَقَوْلُهُ:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي"، لَا يَكُونُ دُعَاءً ، وَإِنَّمَا هُوَ سُؤَالٌ ، وَالسُّؤَالُ غَيْرُ الدُّعَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ". [14] "

وقال تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (56) سورة الأعراف.

فما دام العبدُ يُلحُّ في الدُّعاء ، ويَطمعُ في الإجابة من غير قطع الرّجاء ، فهو قريبٌ من الإجابة ، ومَنْ أَدمن قرعَ الباب ، يُوشك أنْ يُفتح له ، فعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لاَ تَعْجِزُوا فِي الدُّعَاءِ ، فَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ. [15]

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 5700)

(2) - مسند أحمد (18849) صحيح

(3) - بَحْرُ الْفَوَائِدِ الْمُسَمَّى بِمَعَانِي الْأَخْيَارِ لِلْكَلَابَاذِيِّ (18 ) ضعيف

(4) - المعجم الصغير للطبراني (1022) ضعيف والصواب إرساله

(5) - المعجم الصغير للطبراني - (ج 2 / ص 199) (1022) حسن

(6) - الضعفاء الكبير للعقيلي (383 ) عنه، والترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك لابن شاهين (153) عن أبي هريرة . ضعيف

(7) - شعب الإيمان للبيهقي (1150 ) و جَامِعُ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ (242) فيه انقطاع

(8) - سنن الترمذى (3816 ) حسن -موقنون: واثقون متأكدون -اللاهي: الغافل

(9) - مسند أحمد (6815) حسن

(10) - صحيح البخارى (7477 )

(11) - صحيح البخارى (6340 )

(12) - الدعاء للطبراني -العلمية - (ج 1 / ص 28) ( 20 ) وفتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 55) رِجَاله ثِقَات إِلَّا أَنَّ فِيهِ عَنْعَنَة بَقِيَّة (ضعيف)

(13) - بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (1068) ضعيف

(14) - بَحْرُ الْفَوَائِدِ الْمُسَمَّى بِمَعَانِي الْأَخْيَارِ لِلْكَلَابَاذِيِّ (19 ) ضعيف

(15) - صحيح ابن حبان - (ج 3 / ص 151) (871) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت