فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 155

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"مَنْ أَمْسَى كالًّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ أَمْسَى مَغْفُورًا لَهُ" [1]

وقال تعالى حاثا على السعي والعمل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } (15) سورة الملك

وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي سَخَّرَ الأَرْضَ لِلْعِبَادِ ، وَجَعَلَهَا مُذَلَّلَةً سَاكِنَةً ، وَأَرْسَاهَا بِالجِبَالِ لِكَيْلاَ تَضْطَرِبِ وَتَمِيدَ بِمَنْ عَلَيهَا مِنَ الخَلاَئِقِ ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا المِيَاهَ ، وَسَلَكَهَا فِي الأَرْضِ جَدَاوِلَ وَأَنْهَارًا ، لِيَنْتَفِعَ بِهَا الخَلْقُ فِي الشُّرْبِ ، وَفِي رَيِّ زُرُوعِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ ، وَجَعَلَ فِي الأَرْضِ سُبُلًا ، فَسَافِرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ فِي أَرْجَائِهَا حَيْثُ شِئْتُمُ ، وَتَرَدَّدُوا فِي أَرْجَائِهَا وَأَقَالِيمِهَا طَلَبًا لِلرِّزْقِ وَالتِّجَارَةِ ، وَكُلُوا مِمَّا أَخْرَجَهُ لَكُمْ مِنْهَا مِنَ الرِّزْقِ ، وَإِلَى اللهِ مَرْجِعُ الأَمْرِ ، وَإِليهِ يَصِيرُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ جَمِيعًا

والمَخْلُوقَاتُ تَسْعَى فِي الرِّزْقِ وَفْقَ الأَسْبَابِ اللاَزِمَةِ لَهً وَلَكِنَّ سَعْيَهَا وَحْدَهُ لاَ يَكْفِي ، وَلاَ يُجْدِي عَلَيْهَا نفعًا إِلاَّ أَنْ يُيَسِّرَهُ اللهُ لَهَا ، فَالسَّعْيُ فِي السَّببِ لاَ يُنَافِي التَّوَكُلَ .

وقال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) } [الجمعة/9-10]

يَحُثَّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَلَى تَرْكِ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، وَعَلَى السَّعْيِ بِسَكِينَةٍ وَوِقَارٍ إِلَى المَسَاجِدِ ، حِينَما يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ الجُمْعَةِ ، لِلاسْتِمَاعِ إِلَى مَوَاعِظِ الخُطَبَاءِ ، وَلأَداءِ الصِّلاَةِ مَعَ الجَمَاعَةِ . وَذِلكَ السَّعْيُ إِلَى الصَّلاَةِ خَيْرٌ لِلمُؤْمِنِينَ وَأَبْقَى مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ ، هَذَا إِنْ كَانَ المُخَاطَبُونَ مِنْ ذَوِي العِلْمِ الصَّحِيحِ بِمَا يَذِرُّ وَيْنْفُعُ .

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ ( أَيْ تُسْرِعُونَ ) وَأَتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا". ( رَوَاهُ الشّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) .

فَإِذَا أَدَّيْتُمُ الصَّلاَةَ فَتَفَرَّقُوا لِمُبَاشَرَةِ مَصَالِحِكُمْ الذُّنْيَوِيَّةِ ، وَاسْأَلُوا اللهَ الرِّزْقَ الحَلاَلَ ، واذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا أَثْنَاءَ بَيْعِكُمْ وَشِرَائِكُمْ ، وَلاَ تَتْركُوا الدُّنْيَا تَشْغَلُكُمْ عَمَّا يَنْفَعُكُمْ فِي الآخِرَةِ ، لَعَلَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ تُفْلِحُونَ ، وَتَفُوزُونَ بِرِضَا اللهِ ، وَحُسْنِ ثَوَابِهِ .

وهذا هو التوازن الذي يتسم به المنهج الإسلامي . والتوازن بين مقتضيات الحياة في الأرض ، من عمل وكد ونشاط وكسب . وبين عزلة الروح فترة عن هذا الجو وانقطاع القلب وتجرده للذكر . وهي ضرورة لحياة القلب لا يصلح بدونها للاتصال والتلقي والنهوض بتكاليف الأمانة الكبرى . وذكر الله لا بد منه في أثناء ابتغاء المعاش ، والشعور بالله فيه هو الذي يحول نشاط المعاش إلى عبادة . ولكنه مع هذا لا بد من فترة للذكر الخالص ، والانقطاع الكامل ، والتجرد الممحض . كما توحي هاتان الآيتان .

ــــــــــــــ

(1) - الْمُعْجَمُ الْأَوْسَطُ لِلطَّبَرَانِيِّ (7733 ) والإتحاف 6/9 وعسا كر 14 / 10 والفتح 4/306 حسن لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت