فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 155

وقد رودت روايات أخرى مخالفة لها عنه وعن ابن عباس رضي الله عنهم ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وَيُمْكِن الْجَمْع بِحَمْلِ الْإِثْبَات فِي حَقّ مَنْ مَاتَ وَالنَّفْي فِي حَقّ الْحَيّ ، ثُمَّ وَجَدْت عَنْهُ مَا يَدُلّ عَلَى تَخْصِيصه فِي حَقّ الْمَيِّت بِمَا إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ شَيْءٌ وَاجِبٌ فَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: سُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ رَجُل مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْر فَقَالَ: يُصَام عَنْهُ النَّذْر ، وَقَالَ اِبْن الْمُنِير: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عُمَر أَرَادَ بِقَوْلِهِ"صَلَّى عَنْهَا"الْعَمَل بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -"إِذَا مَاتَ اِبْن آدَم اِنْقَطَعَ عَمَله إِلَّا مِنْ ثَلَاث"فَعَدَّ مِنْهَا الْوَلَد، لِأَنَّ الْوَلَد مِنْ كَسْبه فَأَعْمَاله الصَّالِحَة مَكْتُوبَة لِلْوَالِدِ مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْره ، فَمَعْنَى صَلَّى عَنْهَا أَنَّ صَلَاتَك مُكْتَتَبَةٌ لَهَا وَلَوْ كُنْت إِنَّمَا تَنْوِي عَنْ نَفْسك ، كَذَا قَالَ ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ . وَحَاصِل كَلَامِهِ تَخْصِيص الْجَوَاز بِالْوَلَدِ ، وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ اِبْن وَهْب وَأَبُو مُصْعَب مِنْ أَصْحَاب الْإِمَام مَالِك ، وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى اِبْن بَطَّال حَيْثُ نَقَلَ الْإِجْمَاع أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَد عَنْ أَحَد لَا فَرْضًا وَلَا سُنَّة لَا عَنْ حَيّ وَلَا عَنْ مَيِّت ، وَنُقِلَ عَنِ الْمُهَلَّب أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ لَجَازَ فِي جَمِيع الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة ،وَلَكَانَ الشَّارِعُ أَحَقّ بِذَلِكَ أَنْ يَفْعَلهُ عَنْ أَبَوَيْهِ ، وَلَمَا نُهِيَ عَنِ الِاسْتِغْفَار لِعَمِّهِ ، وَلَبَطَلَ مَعْنَى قَوْله: { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ..} (164) سورة الأنعام اِنْتَهَى ."

وَجَمِيع مَا قَالَ لَا يَخْفَى وَجْهُ تَعَقُّبه خُصُوصًا مَا ذَكَرَهُ فِي حَقّ الشَّارِع ، وَأَمَّا الْآيَة فَعُمُومهَا مَخْصُوص اِتِّفَاقًا وَاَللَّه أَعْلَم ." [1] "

وَأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ قَضَاءُ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ بِالنَّصِّ ، فَيَجُوزُ قَضَاءُ الصَّلاَةِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا ، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، وَلأَِنَّ كُلًّا مِنْهَا دَيْنٌ وَجَبَ عَلَى الْمَيِّتِ ، فَيُقْضَى عَنْهُ كَبَقِيَّةِ دُيُونِهِ وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ [2] .

خَامِسًا: مَوْتُ مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ قَبْل أَدَائِهَا:

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَنْ نَذَرَ صَدَقَةً وَمَاتَ قَبْل أَدَائِهَا ، عَلَى اتِّجَاهَيْنِ: الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: يَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صَدَقَةً وَمَاتَ قَبْل أَدَائِهَا أَدَّاهَا وَلِيُّهُ عَنْهُ مِنَ التَّرِكَةِ ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ بِهَا ، إِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ [3] ، وَقَالُوا: إِنَّ أَدَاءَ الْوَلِيِّ هَذَا النَّذْرَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى سَبِيل الصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ ، وَتَبْرِئَةً لِذِمَّةِ الْمَيِّتِ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ .

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } (11) سورة النساء .

وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَجُلًا قَال لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ ، فَهَل لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا ؟ قَال: نَعَمْ [4] .

وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ ، فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ خَمْسِينَ رَقَبَةً ، فَأَرَادَ ابْنُهُ عَمْرٌو أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ فَقَال: حَتَّى أَسْأَل رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي أَوْصَى بِعِتْقِ مِائَةِ رَقَبَةٍ ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ ، وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةً ، أَفَأُعْتِقُ عَنْهُ ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ" [5] ."

وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ،أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: اقْضِهِ عَنْهَا" [6] ."

وقال ابن حزم:"وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرُ اعْتِكَافٍ: قَضَاهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ , أَوْ اُسْتُؤْجِرَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مَنْ يَقْضِيهِ عَنْهُ , لاَ بُدَّ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ? مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ. وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى. وَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اقْضِهِ عَنْهَا"وَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ نَذْرِ طَاعَةٍ , فَلاَ يَحِلُّ لاَِحَدٍ خِلاَفُهُ.وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ هَلْ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ أَمْ لاَ , قَبْلَ فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسٍ بِقَضَاءِ نَذْرِ الاِعْتِكَافِ.

وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: حدثنا أَبُو الأَحْوَصِ ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ مُصْعَبٍ قَالَ:"اعْتَكَفَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، عَنْ أَخِيهَا بَعْدَ مَا مَاتَ"وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ اعْتِكَافٌ: اعْتَكَفَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ،وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: يَعْتَكِفُ عَنْهُ وَلِيُّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُطْعِمُ ، قَالَ: وَمَنْ نَذَرَ صَلاَةً فَمَاتَ: صَلاَّهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ ، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: يَعْتَكِفُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَيُصَلِّي عَنْهُ وَلِيُّهُ إذَا نَذَرَ صَلاَةً أَوْ اعْتِكَافًا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ" [7] ."

الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: يَرَى مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ مَنْذُورَةٌ ، فَلاَ تُؤَدَّى عَنْهُ إِلاَّ إِذَا أَوْصَى بِذَلِكَ ، وَكَانَتْ لَهُ تَرِكَةٌ تُؤَدَّى مِنْهَا ، فَإِنْ أَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا كَانَتْ وَصِيَّةً وَأُخْرِجَتْ مِنْ ثُلُثِ تَرِكَتِهِ مُقَدَّمَةً عَلَى سَائِرِ الْوَصَايَا ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا سَقَطَتْ عَنْهُ بِمَوْتِهِ ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ أَدَاؤُهَا مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ أَوْ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ ، إِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ [8] .

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّكَالِيفِ الاِبْتِلاَءُ وَالْمَشَقَّةُ ، وَهَذَا يَتَأَتَّى فِي الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ بِتَنْقِيصِ الْمَال الْمَحْبُوبِ لِلنَّفْسِ بِإِيصَالِهِ إِلَى الْفَقِيرِ ، وَهَذَا الْمَال مُتَعَلِّقٌ بِفِعْل الْمُكَلَّفِ بِهِ ، وَقَدْ سَقَطَتِ الأَْفْعَال كُلُّهَا بِالْمَوْتِ ، لِتَعَذُّرِ ظُهُورِ طَاعَتِهِ بِهَا فِي دَارِ التَّكْلِيفِ ، فَكَانَ الإِْيصَاءُ بِالْمَال الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُهَا تَبَرُّعًا مِنَ الْمَيِّتِ ابْتِدَاءً ، فَيُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ [9] .

الفصل الرابع

أسبابُ تخلف الوعيد

قَدْ دَلَّتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: عَلَى أَنَّ عُقُوبَةَ الذُّنُوبِ تَزُولُ عَنِ الْعَبْدِ بِنَحْوِ عَشَرَةِ أَسْبَابٍ [10] :

"أَحَدُهَا"التَّوْبَةُ:

وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } (53) سورة الزمر ، وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (104) سورة التوبة . وَقَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (25) سورة الشورى ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.

إنها الرحمة الواسعة التي تسع كل معصية . كائنة ما كانت وإنها الدعوة للأوبة . دعوة العصاة المسرفين الشاردين المبعدين في تيه الضلال . دعوتهم إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله . إن الله رحيم بعباده . وهو يعلم ضعفهم وعجزهم . ويعلم العوامل المسلطة عليهم من داخل كيانهم ومن خارجه . ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كل مرصد . ويأخذ عليهم كل طريق . ويجلب عليهم بخيله ورجله . وأنه جاد كل الجد في عمله الخبيث! ويعلم أن بناء هذا المخلوق الإنساني بناء واه . وأنه مسكين سرعان ما يسقط إذا أفلت من يده الحبل الذي يربطه والعروة التي تشده . وأن ما ركب في كيانه من وظائف ومن ميول ومن شهوات سرعان ما ينحرف عن التوازن فيشط به هنا أو هناك؛ ويوقعه في المعصية وهو ضعيف عن الاحتفاظ بالتوازن السليم . .

يعلم الله سبحانه عن هذا المخلوق كل هذا فيمد له في العون؛ ويوسع له في الرحمة؛ ولا يأخذه بمعصيته حتى يهيء له جميع الوسائل ليصلح خطأه ويقيم خطاه على الصراط . وبعد أن يلج في المعصية ، ويسرف في الذنب ، ويحسب أنه قد طرد وانتهى أمره ، ولم يعد يقبل ولا يستقبل . في هذه اللحظة لحظة اليأس والقنوط ، يسمع نداء الرحمة الندي اللطيف: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله . إن الله يغفر الذنوب جميعًا . إنه هو الغفور الرحيم } . .

وليس بينه وقد أسرف في المعصية ، ولج في الذنب ، وأبق عن الحمى ، وشرد عن الطريق ليس بينه وبين الرحمة الندية الرخية ، وظلالها السمحة المحيية . ليس بينه وبين هذا كله إلا التوبة . التوبة وحدها . الأوبة إلى الباب المفتوح الذي ليس عليه بواب يمنع ، والذي لا يحتاج من يلج فيه إلى استئذان ،أى: ألم يعلم هؤلاء التائبون من ذنوبهم ، أن الله - تعالى - وحده ، هو الذى يقبل التوبة الصادقة من عباده المخلصين ، وأنه - سبحانه - هو الذى"يأخذ الصدقات".

أى: يتقبلها من أصحابها قبول من يأخذ شيئا ليؤدى بدله: فالتعبير بالأخذ للترغيب في بذل الصدقات ، ودفعها للفقراء . والاستفهام للتقرير والتحضيض على تجديد التوبة وبذل الصدقة .

وقوله: { وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم } تذييل قصد به تقرير ما قبله وتأكيده .

أى: وأن الله وحده هو الذى يقل توبة المرة بعد الأخرى ، وأنه هو الواسع الرحمة بهم ، الكثير المغفرة لهم:

قال ابن كثير: قوله: { أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات } هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحقها ، وأخبر - تعالى - أن كل من تاب إليه تاب عليه ، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله يتقبلها بيمينه ، فيربيها لصاحبها حتى تصير الثمرة مثل أحد ، كل جاء بذلك الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فعن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهره ، حتى إن اللقمة لتكون مثل أحد"وتصديق ذلك في كتاب الله قوله: { أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات } . وقوله: { يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات } وعن عبد الله بن مسعود قال: إن الصدقة تقع في يد الله - تعالى - قبل أن تقع في يد السائل ، ثم قرأ هذه الآية { أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات. } [11]

تعريف التوبة:

التَّوْبَةُ فِي اللُّغَةِ الْعَوْدُ وَالرُّجُوعُ ، يُقَال: تَابَ إِذَا رَجَعَ عَنْ ذَنْبِهِ وَأَقْلَعَ عَنْهُ . وَإِذَا أُسْنِدَ فِعْلُهَا إِلَى الْعَبْدِ يُرَادُ بِهِ رُجُوعُهُ مِنَ الزَّلَّةِ إِلَى النَّدَمِ ، يُقَال: تَابَ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً وَمَتَابًا: أَنَابَ وَرَجَعَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ ، وَإِذَا أُسْنِدَ فِعْلُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُسْتَعْمَل مَعَ صِلَةِ ( عَلَى ) يُرَادُ بِهِ رُجُوعُ لُطْفِهِ وَنِعْمَتِهِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْمَغْفِرَةِ لَهُ ، يُقَال: تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: غَفَرَ لَهُ وَأَنْقَذَهُ مِنَ الْمَعَاصِي [12] . قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (118) سورة التوبة.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ التَّوْبَةُ هِيَ: النَّدَمُ وَالإِْقْلاَعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَعْصِيَةٌ لاَ ؛ لأَِنَّ فِيهَا ضَرَرًا لِبَدَنِهِ وَمَالِهِ ، وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَيْهَا إِذَا قَدَرَ [13] .

وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا الرُّجُوعُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُعْوَجِّ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ [14] .

وَعَرَّفَهَا الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهَا: الْعِلْمُ بِعَظَمَةِ الذُّنُوبِ ، وَالنَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى التَّرْكِ فِي الْحَال وَالاِسْتِقْبَال وَالتَّلاَفِي لِلْمَاضِي ، وَهَذِهِ التَّعْرِيفَاتُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ لَفْظًا هِيَ مُتَّحِدَةٌ مَعْنًى . وَقَدْ تُطْلَقُ التَّوْبَةُ عَلَى النَّدَمِ وَحْدَهُ إِذْ لاَ يَخْلُو عَنْ عِلْمٍ أَوْجَبَهُ وَأَثْمَرَهُ وَعَنْ عَزْمٍ يَتْبَعُهُ [15] ، وَلِهَذَا قَال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: النَّدَمُ تَوْبَةٌ [16] ، وَالنَّدَمُ تَوَجُّعُ الْقَلْبِ وَتَحَزُّنُهُ لِمَا فَعَل وَتَمَنِّي كَوْنَهُ لَمْ يَفْعَل [17] .

قَال ابْنُ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةَ: التَّوْبَةُ فِي كَلاَمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا تَتَضَمَّنُ الإِْقْلاَعَ عَنِ الذَّنْبِ فِي الْحَال وَالنَّدَمَ عَلَيْهِ فِي الْمَاضِي وَالْعَزْمَ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبَل ، تَتَضَمَّنُ أَيْضًا الْعَزْمَ عَلَى فِعْل الْمَأْمُورِ وَالْتِزَامِهِ ، فَحَقِيقَةُ التَّوْبَةِ: الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالْتِزَامِ فِعْل مَا يَجِبُ وَتَرْكِ مَا يَكْرَهُ ؛ وَلِهَذَا عَلَّقَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْفَلاَحَ الْمُطْلَقَ عَلَى التَّوْبَةِ [18] حَيْثُ قَال: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (31) سورة النور.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِعْتِذَارُ:

الاِعْتِذَارُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ اعْتَذَرَ أَصْلُهُ مِنَ الْعُذْرِ ، وَأَصْل الْعُذْرِ إِزَالَةُ الشَّيْءِ عَنْ جِهَتِهِ يُقَال: اعْتَذَرَ عَنْ فِعْلِهِ أَيْ أَظْهَرَ عُذْرَهُ ، وَاعْتَذَرَ إِلَيَّ أَيْ طَلَبَ قَبُول مَعْذِرَتِهِ ، وَاعْتَذَرَ إِلَى فُلاَنٍ فَعَذَرَهُ أَيْ: أَزَال مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ فِي الظَّاهِرِ . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الاِعْتِذَارُ إِظْهَارُ نَدَمٍ عَلَى ذَنْبٍ تُقِرُّ بِأَنَّ لَك فِي إِتْيَانِهِ عُذْرًا ، وَالتَّوْبَةُ هِيَ النَّدَمُ عَلَى ذَنْبٍ تُقِرُّ بِأَنَّهُ لاَ عُذْرَ لَك فِي إِتْيَانِهِ فَكُل تَوْبَةٍ نَدَمٌ وَلاَ عَكْسَ . وَقَدْ يَكُونُ الْمُعْتَذِرُ مُحِقًّا فِيمَا فَعَلَهُ ، بِخِلاَفِ التَّائِبِ مِنَ الذَّنْبِ [19] .

ب - الاِسْتِغْفَارُ:

الاِسْتِغْفَارُ فِي اللُّغَةِ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ ، وَأَصْل الْغَفْرِ التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ ، يُقَال: غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ أَيْ سَتَرَهَا . وَفِي الاِصْطِلاَحِ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ الطَّاعَةِ [20] .

قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الاِسْتِغْفَارُ إِذَا ذُكِرَ مُفْرَدًا يُرَادُ بِهِ التَّوْبَةُ مَعَ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ ، وَهُوَ مَحْوُ الذَّنْبِ وَإِزَالَةُ أَثَرِهِ وَوِقَايَةُ شَرِّهِ ، وَالسَّتْرُ لاَزِمٌ لِهَذَا الْمَعْنَى ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} (10) سورة نوح

فَالاِسْتِغْفَارُ بِهَذَا الْمَعْنَى يَتَضَمَّنُ التَّوْبَةَ ،أَمَّا عِنْدَ اقْتِرَانِ إِحْدَى اللَّفْظَتَيْنِ بِالأُْخْرَى فَالاِسْتِغْفَارُ طَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ مَا مَضَى ، وَالتَّوْبَةُ الرُّجُوعُ وَطَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ مَا يَخَافُهُ فِي الْمُسْتَقْبَل مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِ [21] ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) [هود/3] } .

أَرْكَانُ وَشُرُوطُ التَّوْبَةِ:

ذَكَرَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ أَنَّ لِلتَّوْبَةِ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ: الإِْقْلاَعَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ حَالًا ، وَالنَّدَمَ عَلَى فِعْلِهَا فِي الْمَاضِي ، وَالْعَزْمَ عَزْمًا جَازِمًا أَنْ لاَ يَعُودَ إِلَى مِثْلِهَا أَبَدًا . وَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا رَدُّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا أَوْ تَحْصِيل الْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ [22] .

وَصَرَّحُوا كَذَلِكَ بِأَنَّ النَّدَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ ؛ وَلِقُبْحِهَا شَرْعًا . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: النَّدَامَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً"؛ لأَِنَّ النَّدَامَةَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لإِِضْرَارِهَا بِبَدَنِهِ ، وَإِخْلاَلِهَا بِعِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لاَ تَكُونُ تَوْبَةً ، فَلَوْ نَدِمَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا لِلصُّدَاعِ ، وَخِفَّةِ الْعَقْل ، وَزَوَال الْمَال ، وَخَدْشِ الْعِرْضِ لاَ يَكُونُ تَائِبًا ."

وَالنَّدَمُ لِخَوْفِ النَّارِ أَوْ طَمَعِ الْجَنَّةِ يُعْتَبَرُ تَوْبَةٌ [23] .

(1) - فتح الباري لابن حجر - (ج 19 / ص 69) وانظر نيل الأوطار - (ج 13 / ص 286-287)

(2) - الْكَافِي 4 / 430 وانظر فتاوى الأزهر - (ج 8 / ص 314) قضاء الواجبات عن الأموات و (ج 8 / ص 318) الصلاة عن الميت و (ج 9 / ص 34) قضاء الصلاة عن الميت وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 4593) رقم الفتوى 24584 من مات وعليه نذر

(3) - مُغْنِي الْمُحْتَاجِ 1 / 411 ، وَالْمُغْنِي 9 / 30 - 31 ، وَالْكَافِي 4 / 430 ، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 2 / 335 ، وَشَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ 11 / 84 ، 96 .

(4) - صحيح البخارى (1388 )

(5) - سنن أبى داود (2885 ) صحيح

(6) - مسند أبي عوانة (4702) صحيح

(7) - المحلى لابن حزم - (ج 2 / ص 245) مَسْأَلَةٌ (635 ) ونيل الأوطار - (ج 13 / ص 287)

(8) - فَتْحُ الْقَدِيرِ 2 / 85 ، وَالْبَحْرُ الرَّائِقُ 3 / 64 ، 65 ، وَتُحْفَةُ الْفُقَهَاءِ 1 / 482 ، وَالْمُنْتَقَى 2 / 62 ، 63 .

(9) - فَتْحُ الْقَدِيرِ 2 / 85 ، وَالْبَحْرُ الرَّائِقُ 3 / 65 .

(10) - مجموع الفتاوى - (ج 7 / ص 487) فما بعدها

(11) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2039)

(12) - المصباح المنير ولسان العرب وتاج العروس مادة"توب"ودستور العلماء 1 / 362 ، 363 .

(13) - تفسير روح المعاني للألوسي 28 / 158 ، وبلغة السالك 4 / 738 ، والفواكه الدواني 1 / 88 ، والكليات لأبي البقاء 2 / 96 ، والجمل 5 / 387 ، وكشاف القناع 1 / 418 ، والمغني 9 / 200 .

(14) - القليوبي 4 / 201 ، والآداب الشرعية 1 / 98 .

(15) - إحياء علوم الدين للغزالي 4 / 3 .

(16) - سنن ابن ماجه (4393) صحيح

(17) - تفسير الألوسي 28 / 158 ، والجمل 5 / 387 ، والإحياء للغزالي 4 / 3 .

(18) - مدارج السالكين 1 / 305 .

(19) - المصباح مادة:"عذر"، والكليات لأبي البقاء 2 / 96 ، والفروق في اللغة ص229 ، ومدارج السالكين 1 / 182 .

(20) - المصباح ولسان العرب مادة:"غفر"، والفروق في اللغة ص229 .

(21) - مدارج السالكين 1 / 307 ، 309 .

(22) - البدائع 7 / 96 ، والفواكه الدواني 1 / 88 ، 89 ، وحاشية القليوبي 4 / 201 ، والمغني 9 / 201 ، والآداب الشرعية 1 / 100 ، وتفسير الألوسي 28 / 159 .

(23) - تفسير الألوسي 28 / 158 ، وبلغة السالك 4 / 738 ، ودستور العلماء 1 / 362 ، والفواكه الدواني 1 / 88 ، والجمل على شرح المنهج 5 / 387 ، وكشاف القناع 6 / 425 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت