فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 155

ثانيا

كفارة اليمين المنعقدة

قال تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (89) سورة المائدة

وَاللَّغْوُ فِي اليَمِينِ هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ: لاَ وَاللهِ ، وَبَلَى وَاللهِ ( وَقِيلَ: إِنَّها اليَمِينُ عِنْدَ الهَزْلِ ، وَقِيلَ إنَّها فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ ، وَقِيلَ إنَّهَا اليَمِينُ عِنْدَ الغَضَبِ ) .

فَاللهُ تَعَالَى لاَ يُؤَاخِذُكُمْ ، أيُّها المُؤْمِنُونَ ، بِاللَّغْوِ فِي أيْمَانِكُمْ ، وَلَكِنَّهُ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا صَمَّمْتُمْ عَلَيْهِ وَقَصَدْتُمُوهُ ، فَإِذَا حَنِثَ المُؤْمِنُ بِيَمِينِهِ التِي قَصَدَهَا وَعَقَدَهَا ، فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ مُحَتْاجِينَ مِنَ الفُقَرَاءِ الذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ ، أكْلَةً وَاحِدَةً ، أَوْ يَوْمًا وَاحِدًا . ثُمَّ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى نَوْعُ الطَّعَامِ الذِي يُقَدِّمُ لِهَؤُلاءِ المَسَاكِينِ ، فَقَالَ إنَّهُ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ عِيَالَكُمْ فِي القِلَّةِ وَالكَثْرَةِ ، أَوْ كِسْوَتُهُمْ ( عَلَى خِلاَفٍ فِي مِقْدَارِ هَذِهِ الكُسْوَةِ ) ، أَوْ إعتَاقُ رَقَبَةٍ مِنَ الرِّقِّ . وَإذَا لَمْ يَقْدِرُ المُكَلَّفُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الخَيَارَاتِ الثَّلاَثَةِ كَفَّرَ عَنْ حَنْثِهِ بِيَمِينِهِ بِصِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيْامٍ مُتَتَابِعَاتٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ . وَهَذِهِ هِيَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ التِي يَحْلِفُهَا المُؤْمِنُ بِاللهِ أوْ بِأحَدِ أسْمَائِهِ ، إنْ حَنَثَ بِهَا ، أَوْ أَرَادَ أنْ يَحْنُثَ بِهَا . يَقُولُ تَعَالَى: لاَ تَتْرُكُوا أَيْمَانَكُمْ المَحْنُوثَ بِهَا دُونَ كَفَّارَةٍ . وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ - وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ - هُوَ لاَ تَبْذُلُوهَا فِي أتْفَهِ الأُمُورِ وَأحْقَرِهَا ، وَلاَ تُكْثِرُوا مِنَ الأَيْمَانِ الصَّادِقَةِ ) ، كَذَلِكَ يُوَضِّحُ اللهُ آيَاتِهِ وَيُبَيِّنُهَا لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إذَا اتَّقَيْتُمْ وَأطَعْتُمُ اللهَ .

وَيَجُوزُ الحَنَثُ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مَعَ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الحَنَثِ . وَفِي الحَدِيثِ الصحيح:"إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنْهَا ، فَأتِ الذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ" [1] .

وقدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الإِْطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى إِذَا حَنِثَ فِيهَا عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِسْوَةِ وَتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ ، فَإِنْ عَجَزَ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ، [2] لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (89) سورة المائدة [3] .

ــــــــــــــ

ثالثا

كفارة اليمين الغموس [4]

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ ، وَالْمَالِكِيَّةُ ، وَالْحَنَابِلَةُ [5] ، وَهُوَ قَوْل سُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ وَأَهْل الْعِرَاقِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْل الشَّامِ [6] .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَكَمُ وَعَطَاءٌ وَمَعْمَرٌ [7] .

وَسَبَبُ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ مُعَارَضَةُ عُمُومِ الْكِتَابِ لِلأَْثَرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (89) سورة المائدة ، تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ كَفَّارَةٌ لِكَوْنِهَا مِنَ الأَْيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ .

وَ عَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ » . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ » [8] .

يُوجِبُ أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ لَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ [9] .

وَقَدِ اسْتَدَل كُل فَرِيقٍ بِأَدِلَّةٍ تُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ .

فَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (77) سورة آل عمران ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل فِيهَا جَزَاءَ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ بِالْوَعِيدِ فِي الآْخِرَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً ، فَلَوْ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ فِيهَا وَاجِبَةً لَكَانَ الأَْوْلَى بَيَانَهَا ، وَلأَِنَّ الْكَفَّارَةَ لَوْ وَجَبَتْ إِنَّمَا تَجِبُ لِرَفْعِ هَذَا الْوَعِيدِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الآْيَةِ فَيَسْقُطُ جُرْمُهُ ، وَيَلْقَى اللَّهَ - تَعَالَى - وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْوَعِيدَ الْمُتَوَعَّدَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَا لاَ يَقُول بِهِ أَحَدٌ [10] .

قَال القرطبي: وَكَيْفَ لاَ يَكُونُ ذَلِكَ ، وَقَدْ جَمَعَ هَذَا الْحَالِفُ: الْكَذِبَ ، وَاسْتِحْلاَل مَال الْغَيْرِ ، وَالاِسْتِخْفَافَ بِالْيَمِينِ بِاللَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّهَاوُنَ بِهَا وَتَعْظِيمَ الدُّنْيَا ؟ فَأَهَانَ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ ، وَعَظَّمَ مَا حَقَّرَهُ اللَّهُ ، وَحَسْبُكَ . وَلِهَذَا قِيل: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْيَمِينُ غَمُوسًا لأَِنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ [11] .

وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي هَذِهِ الآْيَةِ قَال: فَهَذِهِ الْيَمِينُ فِي الْكَذِبِ وَاقْتِطَاعِ الْحُقُوقِ ، فَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهَا كَفَّارَةٌ .

وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ السَّكْسَكِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ فَقَال: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا كَذَا وَكَذَا ، وَلَمْ يُعْطَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } [12] .

وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ كَذَلِكَ بِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ لَقِيَ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَأَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبًا بِهَا نَفْسُهُ مُحْتَسِبًا ، وَسَمِعَ وَأَطَاعَ ; فَلَهُ الْجَنَّةُ - أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ - . وَخَمْسٌ لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَبَهْتُ مُؤْمِنٍ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَيَمِينٌ فَاجِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ" [13] .

وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْكَبَائِرُ ؟ قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ قَالَ: ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ: ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ قَالَ: ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ: ثُمَّ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ قُلْتُ لِعَامِرٍ: مَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ ؟ قَالَ: الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ صَبْرٍ ، وَهُوَ فِيهَا كَاذِبٌ.. [14]

فَفِي الْحَدِيثَيْنِ دَلاَلَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ لَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ لأَِنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَّهَا مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَالْكَبَائِرُ لاَ كَفَّارَةَ فِيهَا ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ لاَ كَفَّارَةَ فِيهَا ، وَإِنَّمَا كَفَّارَتُهَا التَّوْبَةُ مِنْهَا ، فَكَذَلِكَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ حُكْمُهَا حُكْمُ مَا ذُكِرَتْ مَعَهُ [15] . وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ ، فَقَدْ رَوَى آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ فِي مُسْنَدِ شُعْبَةَ ، وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي الأَْحْكَامِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُنَّا نَعُدُّ الذَّنْبَ الَّذِي لاَ كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ ، أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُل عَلَى مَال أَخِيهِ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَهُ قَال: وَلاَ مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ [16] .

وَقَالُوا: إِنَّ الْغَمُوسَ مَحْظُورٌ مَحْضٌ ، فَلاَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِكَوْنِهَا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ ، كَالزِّنَا وَالرِّدَّةِ [17] .

وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (225) سورة البقرة ، مَعَ قَوْله تَعَالَى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (89) سورة المائدة .

وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَاتَيْنِ الآْيَتَيْنِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل نَفَى الْمُؤَاخَذَةَ عَنِ الْيَمِينِ اللَّغْوِ ، وَهِيَ الْيَمِينُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَأَثْبَتَ الْمُؤَاخَذَةَ لِلْيَمِينِ الْمَقْصُودَةِ بِقَوْلِهِ: { بِمَا عَقَّدْتُمُ } أَيْ قَصَدْتُمْ وَصَمَّمْتُمْ ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ مَقْصُودَةٌ فَتَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ [18] . وَبِمَا رويَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا ، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ » [19] .

وَقَالُوا: إِنَّ الْحَالِفَ كَذِبًا أَحْوَجُ لِلْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِهِ ، كَمَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ لاَ تَزِيدُهُ إِلاَّ خَيْرًا ، وَالَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ وَرَدُّ الْمَظْلِمَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل وَكَفَّرَ ، فَالْكَفَّارَةُ لاَ تَرْفَعُ عَنْهُ حُكْمَ التَّعَدِّي بَل تَنْفَعُهُ فِي الْجُمْلَةِ [20] .

ــــــــــــــ

(1) - صحيح البخارى (6722 )

(2) - ابن عابدين 3 / 60 ، والاختيار 4 / 84 ، وجواهر الإكليل 1 / 228 ط المعرفة ، وقليوبي 4 / 274 ، والمغني 8 / 749 .

(3) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 5 / ص 116)

(4) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 35 / ص 41)

(5) - البحر الرائق 4 / 301 ، 302 ، 303 ، 304 ، وبدائع الصنائع وترتيب الشرائع للكاساني 3 / 3 طبع دار الكتب العلمية - بيروت ، التاج والإكليل لمختصر خليل مطبوع بهامش مواهب الجليل للحطاب 3 / 266 ، وكشاف القناع 6 / 235 .

(6) - الجامع لأحكام القرآن 6 / 266 ، 267 ، وفتح الباري 11 / 566 .

(7) - روضة الطالبين 11 / 3 ، وفتح الباري 11 / 566 .

(8) - صحيح مسلم (370 ) -الأراك: جمع أراكة وهى شجرة يستاك بقضبانها

(9) - بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد 1 / 349 طبع المكتبة التجارية الكبرى .

(10) - المبسوط 8 / 128 ، والجامع لأحكام القرآن 6 / 268 ، ومواهب الجليل والتاج والإكليل 3 / 266 .

(11) - الجامع لأحكام القرآن 6 / 268 .

(12) - المدونة الكبرى 3 / 100 ، 101 ، والآية من سورة آل عمران / 77 .

(13) - مسند أحمد (8971) ومسند الشاميين (1161و1184) حسن لغيره

(14) - صحيح ابن حبان - (ج 12 / ص 373) (5562) صحيح

(15) - فتح الباري 11 / 566 .

(16) - فتح الباري 11 / 566

(17) - المبسوط للسرخسي 8 / 128 .

(18) - تفسير ابن كثير 1 / 267 ، 268 طبع دار المنار ، وحاشية الشرقاوي على التحرير 2 / 476

(19) - صحيح البخارى (6722 )

(20) - فتح الباري 11 / 557 ط . دار المعرفة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت