فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 155

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (217) سورة البقرة

بَعَثَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ عَلَى سَرِيَّةٍ وَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ ، فَلَقِيَتِ السَّرِيَّةُ ابْنَ الحَضْرَمِيِّ فَقَتَلَتْهُ ، وَلَمْ يَعْرِفْ رِجَالُ السَّرِيَّةِ إِنْ كَانَ ذلِكَ اليَوْمُ مِنْ رَجَبٍ أَوْ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيَةَ . وَفِيهَا يَقُولُ سُبْحَانَهُ لِلْمُشْرِكِينَ: إِنَّ القِتَالَ فِي الشَّهرِ الحَرَامِ أَمْرٌ كَبِيرُ فِي نَفْسِهِ ، وَجُرْمٌ عَظِيمٌ ، وَلكِنَّهُ إِذا ارتُكِبَ لإِزَالَةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ ، كَانَ لَهُ مَا يُبَرِّرُهُ ، وَإِنَّ مَا فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ ، وَمُحَاوَلَةِ فتْنَةِ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّعْذِيبِ وَالتَّهْدِيدِ ، وَإِخراجِ المُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ . كُلُّ ذلِكَ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ مِنَ القِتَالِ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ .

وَقَدْ كَانَ المُشْرِكُونَ يَفْتِنُونَ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّعْذِيبِ وَالإِخَافَةِ ليَرُدُّوهُمْ إِلى الكُفْرِ ، وَهذا أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ مِنَ القَتْلِ ، وَهُمْ مَا زَالُوا مُقِيمِينَ عَلَى الكُفْرِ ، وَعَلَى مُحَاوَلَةِ فِتْنَةِ المُسْلِمِينَ لِيَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ، وَعَلَى مُحَاوَلَةِ مَنْعِ الإِسْلاَمِ مِنَ الانْتِشَارِ وَالقَضَاءَ عَلَيهِ ، إِنْ أَمْكَنَهُم ذلِكَ ، لاسْتِحْكَامِ عَدَاوَتِهِمْ للمُسْلِمِينَ . وَيُهَدِّدُ اللهُ مِنْ يَضْعُفُ مِنَ المُسْلِمِينَ أَمَامَ هَجَمَاتِهِمْ ، وَمُحَاوَلاتِهِمْ وَإِغْراءَاتِهِمْ فَيَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ ، ثُمَّ يَمُوتُ وَهُوَ كَافِرٌ ، بِالعَذَابِ الأَلِيمِ الأَبَدِيِّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، وَبِحُبُوطِ عَمَلِهِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ .

قال الشافعيّ: إن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم يَحبط عمله ولا حَجَّه الذي فرغ منه؛ بل إن مات على الردّة فحينئذ تَحبط أعماله . وقال مالك: تحبط بنفس الردّة؛ ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم؛ فقال مالك: يلزمه الحج ، لأن الأوّل قد حبط بالردّة . وقال الشافعيّ: لا إعادة عليه ، لأن عمله باق . واستظهر علماؤنا بقوله تعالى: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر: 65 ] . قالوا: وهو خطاب للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - والمراد أُمته؛ لأنه عليه السلام يستحيل منه الردّة شرعًا . وقال أصحاب الشافعيّ: بل هو خطاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على طريق التغليظ على الأُمة ، وبيان أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله؛ فكيف أنتم! لكنه لا يشرك لفضل مرتبته؛ كما قال: { يا نسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ } [ الأحزاب: 30 ] وذلك لشرف منزلتهنّ؛ وإلا فلا يتصوّر إتيان منهنّ صيانة لزوجهنّ المُكَرّم المُعَظَّم؛ ابن العربي . وقال علماؤنا: إنما ذكر الله الموافاة شرطًا هاهنا لأنه علّق عليها الخلود في النار جزاء؛ فمن وافَى على الكفر خلّده الله في النار بهذه الآية ، ومن أشرك حَبط عمله بالآية الأُخرى ، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين وحكمين متغايرين . وما خوطب به عليه السلام فهو لأُمته حتى يثبت اختصاصه ، وما ورد في أزواجه فإنما قيل ذلك فيهنّ ليُبيِّن أنه لو تُصوّر لكان هَتْكان أحدهما لحُرْمة الدِّين ، والثاني لحرمة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولكلِّ هَتْكِ حُرْمَةٍ عقابٌ؛ وينزّل ذلك منزلة من عصى في الشهر الحرام أو في البلد الحرام أو في المسجد الحرام ، يضاعف عليه العذاب بعدد ما هتك من الحرمات . والله أعلم . [1]

ــــــــــــــ

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 629) ، انظر التفاصيل في الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 22 / ص 180-201)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت