الفصل الثاني
مضاعفة الحسنات دون السيئات
قال تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) } [البقرة/261]
يَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى إِنْفَاقِ أمْوالِهِمْ فِي سَبيلِ اللهِ ، وَابْتِغاءِ مَرْضَاتِهِ ( فِي الحَجِّ وفِي الجِهَادِ وَفِي الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ ) وَيَضْرِبُ لَهُمُ الزَّرْعَ مَثَلًا عَلَى تَنْمِيَتِهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، الأعْمَالَ الصَّالِحَةَ لأِصْحَابِها ، فَكَمَا يَنْمُو الزَّرْعُ لِمَنْ بَذَرَهُ ، كَذَلِكَ يَتَضَاعَفُ العَمَلُ الصَّالِحُ عَنْدَ اللهِ ، وَاللهُ يُضَاعِفُ الأجْرَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، فَيَزِيدُهُ زِيَادَةً لا حَصْرَ لَهَا بِحَسَبِ إخْلاصِ العَبْدِ فِي عَمَلِهِ ، وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ لاَ يَنْحَصِرُ فَضْلُهُ ، وَلا يُحَدُّ عَطَاؤُهُ ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ هَذِهِ المُضَاعَفَةَ وَبِمَنْ لاَ يَسْتَحِقُّهَا
وقال تعالى { وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) } [البقرة/265]
أمّا المُؤْمِنُونَ الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم طَلَبًا لِمَرْضَاةِ اللهِ عَنْهُمْ ، وَهُمْ مُتَحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّ الله سَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ بُسْتَانٍ ( جَنَّةٍ ) بِرَبْوَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الأَرْضِ ، فَأَصَابَهَا مَطَرٌ شَدِيدٌ ( وَابِلٌ ) ، فَأَثْمَرَتْ ضِعْفَيْنِ مِمَّا أَثْمَرَتْهُ غَيْرُها مِنَ الجِنَانِ ( أَوْ ضِعْفَينِ مِمَّا كَانَتَ تُثْمِرُهُ قَبْلًا ) فَإنْ لَمْ يُصِبْهَا المَطَرُ الشَّدِيدُ ، أصَابَهَا مَطَرٌ خَفِيفٌ يَكْفِيها لِجَوْدَةِ تُرْبَتِها ، وَحُسْنِ مَوْقِعِها ، فَهِي لاَ تُمْحِلُ أَبَدًا . وَكَذَلِكَ عَمَلُ المُؤْمِنِ لا يَبُورُ أبدًا ، بَلْ يَتَقَبَّلُهُ اللهُ وَيُكَثِّرَهُ وَيُنَمِّيهِ .
وَاللهُ لا يَخْفَى عَلَيهِ شَيْءٌ مِنْ أعْمَالِ العِبَادِ .
وقال تعالى: { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) } [الأنعام/160]
مَنْ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ حَسَنَةٍ ، مِنْ خِصَالِ الطَّاعَاتِ ، جَزَاهُ اللهُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا ، مِنْ عَطَاءِ اللهِ غَيْرِ المَحْدُودِ . وَمَنْ جَاءَ بِسَيِّئَةٍ ، فَلا يُجَازَى إلاَّ بِعُقُوبَةٍ سَيِّئَةٍ ، مِثْلِهَا ، وَاللهُ لاَ يَظْلِمُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ عَمَلًا عَمِلَهُ ، فَلاَ يَزِيدُ فِي ذَنْبِ المُسِيءِ ، وَلاَ يَبْخَسُهُ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِهِ الحَسَنَةِ .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ » [1] .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا رَوَى عَنْ رَبِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَحِيمٌ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةً أَوْ يَمْحُوهَا اللَّهُ وَلاَ يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلاَّ هَالِكٌ » [2] .
وقال تعالى: { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) } [النمل/89، 90]
وَمَنْ جَاءَ في ذَلِكَ اليَومِ رَبَّهُ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ في الدُّنيا ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالى يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ ، وَيُجَنِّبُهُ الفَزَعَ الأَكبرَ الذي يُصِيبُ المُجرِمينَ الأَشقِياءَ في ذلكَ اليومِ.
وَمَنْ جَاءَ رَبَّهُ في ذلِكَ اليَومِ قَدْ أَشْرَكَ به وَعَصَاهُ ، وَمَاتَ عَلى ذَلِكَ ، فَهِؤُلاَءِ يَكُبُّهُمْ اللهُ تَعَالَى عَلَى وُجُوهِهِمْ في نَارِ جَهَنَّمْ ، واللهُ يَجْزِيِهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ ، وَيُنزِلُ بِهِمْ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِم السَّيِّئَةِ .
وقال تعالى: { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84) } [القصص/84]
مَنْ جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ وَلَهُ حَسَناتٌ اكْتَسَبَها في الدُّنيا ، ضَاعَفَ الله ثَوابَهُ ، فَضْلًا منهُ وكَرمًا ، ومَنْ جَاءَ بالسَّّيَئَةِ فَلاَ يُجزَى إِلاَّ مِثْلَها ، عَدلًا مِنَ اللهِ وَرَحْمَةً .
وقال تعالى { وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) } [يونس/27]
أَمَّا المُجْرِمُونَ الذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى سَيَجْزِيهِمْ عَلَى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا مِنْ عِقَابٍ فِي الآخِرَةِ ، دُونَ زِيَادَةٍ أَوْ مُضَاعَفَةٍ ، وَتَعْتَرِيهِمْ ( تَرْهَقُهُمْ ) ذِلَّةٌ مِنْ مَعَاصِيهِمْ ، وَيَعْلُوهُمُ الخَوْفُ مِنْهَا ، وَلَنْ يَجِدُوا ، فِي ذَلِكَ اليَوْمِ ، مَنْ يَعْصِمُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ ، وَتُصْبِحُ وُجُوهُهُمْ سُودًا مِنَ الغَمِّ وَالكَآبَةِ ، كَأَنَّمَا عَلَتْهَا قِطَعٌ مِنْ ظَلاَمِ الَّلْيِل الحَالِكِ ، وَهَؤُلاَءِ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ يَدْخُلُونَهَا وَيَخْلُدُونَ فِيهَا أَبَدًا .
وقال تعالى: { مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) } [غافر/40]
فَمَنْ عَمِلَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا عَمَلًا سَيَّئًا ، أَوِ اجْتَرَحَ إِثْمًا فَإِنَّهُ لاَ يُعَاقَبُ إِلاَّ بِمِقْدَارِ عَمَلِهِ ، دُونَ مُضَاعَفَةٍ لِلْعِقَابِ . وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، دَخَلَ الجَنَّةَ ، وَتَمَتَّعَ بِمَا فِيهَا مِنْ رِزْقٍ كَرِيمٍ ، وَنَعِيمٍِ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلاَ تَحْدِيدٍ .
وقال تعالى: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) } [الشورى/40 ]
وَجَزَاءُ مَا يَفْعَلُهُ المُسِيءُ مِنَ السُّوءِ هُوَ أَنْ يُعَاقَبَ وَفْقَ مَا شَرَعَهُ اللهُ مِنْ عُقُوبَةٍ لِجُرْمِهِ ، وَقَدْ سمى اللهُ تَعَالَى العُقُوَبَةَ سَيِّئَةً لأَنَّهَا تَسُوءُ مَنْ تَنْزِلُ بِهِ . فَمَنْ عَفَا عَنْ مُسِيءٍ ، وَأَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ عَادَاهُ بِالعَفُو عَنْهُ ، وَبِالصَّفْحِ عَنْ ذَنْبِهِ ، فَإِنَّ اللهَ يَجْزِيهِ عَلَى فِعْلِهِ أَعْظَمَ الجَزَاءِ ، وَاللهُ لاَ يُجِبُّ الظَّالمِينَ ، المُتَجَاوِزِينَ للحُدُودِ ، المُعْتَدِينَ عَلَى العِبَادِ .
الفصل الثالث
قضاء الواجبات كالنذور وغيرها [3]
أولا
نَذْرُ طَاعَةٍ لاَ يُطِيقُهَا النَّاذِرُ أَوْ عَجَزَ عَنْهَا بَعْدَ قُدْرَتِهِ
مَنْ نَذَرَ طَاعَةً فَلَمْ يُطِقْ أَدَاءَهَا ابْتِدَاءً ، أَوْ عَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا ، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَا نَذَرَهُ ، وَمَا يَلْزَمُهُ بِهَذَا النَّذْرِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل: يَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَا لاَ يُطِيقُ أَبَدًا فَلاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِهَذَا النَّذْرِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي وَقْتٍ مُحَدَّدٍ فَجَاءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ وَهُوَ لاَ يُطِيقُ أَدَاءَ مَا نَذَرَ ، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَلاَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ [4]
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ..} (286) سورة البقرة ،وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَال: « مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ » [5] .
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: يَرَى مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَا لاَ يُطِيقُ الْوَفَاءَ بِهِ ، أَوْ يَعْجِزُ عَنِ الْوَفَاءِ بِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ تَقْدِيرًا بِأَدَاءِ خَلَفِهِ ، إِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامًا فَعَجَزَ عَنْهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ عَمَّا نَذَرَهُ مِنْهُ [6] وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْتِزَامَ النَّاذِرِ مَا لاَ يُطِيقُ بِالنَّذْرِ مَعْصِيَةٌ ؛ لأَِنَّ الْوَفَاءَ بِهِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى إِهْلاَكِ النَّاذِرِ ، وَمِثْل هَذَا لاَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ [7] وَبِأَنَّ الْوَفَاءَ بِعَيْنِ الْمَنْذُورِ إِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ إِمْكَانِ الْوَفَاءِ بِهِ ، فَأَمَّا عِنْدُ التَّعَذُّرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ تَقْدِيرًا ، وَذَلِكَ بِأَدَاءِ خَلَفِهِ ؛ لأَِنَّ الْخَلَفَ يَقُومُ مَقَامَ الأَْصْل ، كَمَا هُوَ الْحَال فِي اسْتِعْمَال التُّرَابِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ ، وَالأَْشْهُرِ عِنْدَ عَدَمِ الأَْقْرَاءِ فِي الْعِدَّةِ [8] .
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صَلاَةً أَوْ صَوْمًا أَوِ اعْتِكَافًا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَعَجَزَ عَنْ أَدَاءِ هَذِهِ الْقُرَبِ فِيهِ ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ لِلتَّأْخِيرِ عَنْ هَذَا الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ ، وَإِنْ نَذَرَ صَدَقَةً فَأَعْسَرَ بِهَا سَقَطَ عَنْهُ النَّذْرُ مَا دَامَ مُعْسِرًا فَإِذَا أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَ أَدَاؤُهَا ، وَإِنْ نَذَرَ حَجًّا فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَمَنَعَهُ مَرَضٌ أَوْ نَحْوُهُ قَبْل الإِْحْرَامِ ، فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ لاَ قَضَاءَ لَوْ كَانَ مَعْضُوبًا وَقْتَ النَّذْرِ أَوْ طَرَأَ الْعَضْبُ ، وَلَمْ يَجِدِ الْمَال حَتَّى مَضَتِ السَّنَةُ الْمُعَيَّنَةُ ، فَإِنْ مَنَعَهُ الْمَرَضُ بَعْدَ الإِْحْرَامِ فَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا امْتَنَعَ الْحَجُّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ بَعْدَ الاِسْتِطَاعَةِ [9] وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ يَجِبَانِ شَرْعًا مَعَ الْعَجْزِ ، وَالْوَاجِبُ بِالنَّذْرِ كَالْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ ، فَلاَ أَثَرَ لِعَجْزِ النَّاذِرِ عَنْهُمَا فِي وُجُوبِهِمَا عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُمَا إِنْ عَيَّنَ وَقْتًا لِلأَْدَاءِ ، بِخِلاَفِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ إِلاَّ عِنْدَ وُجُودِ الاِسْتِطَاعَةِ ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ أَوِ الْحَجَّةُ الْمَنْذُورَةُ ، فَمَنِ اسْتَطَاعَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، إِنْ مَنَعَ ذَلِكَ مَانِعٌ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَدَائِهِ ؛ لاِسْتِقْرَارِهِ فِي ذِمَّتِهِ بِتَمَكُّنِهِ هَذَا ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنِ النَّاذِرُ مِنْ أَدَائِهِ ، بِأَنْ عَرَضَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَبْل تَمَكُّنِهِ مِنَ الأَْدَاءِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ ، لأَِنَّ الْمَنْذُورَ نُسُكٌ فِي ذَلِكَ الْعَامِ ، وَلَمْ يَتَمَكَّنِ النَّاذِرُ مِنْهُ [10]
الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: يَرَى مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ - وَهُمُ الْحَنَابِلَةُ - أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَدَاءَ الصِّيَامِ أَوِ الصَّلاَةِ أَوِ الاِعْتِكَافِ أَوِ الطَّوَافِ أَوْ نَحْوِهَا ، فَلَمْ يُطِقْ أَدَاءَهَا أَوْ عَجَزَ عَنْهُ عَجْزًا لاَ يُرْجَى زَوَالُهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَإِذَا كَانَ عَجْزُهُ عَنْ ذَلِكَ مَرْجُوَّ الزَّوَال ، انْتَظَرَ زَوَالَهُ ، وَأَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالنَّذْرِ ، وَلاَ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، فَإِنْ نَذَرَ حَجًّا لَزِمَهُ صَحِيحًا كَانَ أَوْ مَعْضُوبًا ، إِلاَّ أَنَّهُ يُنِيبُ عَنْهُ فِي حَال الْعَضْبِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ، وَإِنْ أَطَاقَ الْبَعْضَ أَتَى بِهِ وَكَفَّرَ لِلْبَاقِي .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامًا فَعَجَزَ عَنْهُ ، وَعَمَّا إِذَا كَانَ يَلْزَمُهُ مَعَ كَفَّارَةِ النَّذْرِ إِطْعَامٌ عَنْ كُل يَوْمٍ مَنْذُورٍ صِيَامُهُ أَمْ لاَ ؟
فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ النَّاذِرَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُل يَوْمٍ نَذَرَ صِيَامَهُ مِسْكِينًا ، كَمَا هُوَ الْحَال فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ صِيَامِ رَمَضَانَ ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلاَمِ الآْدَمِيِّينَ يُحْمَل عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْهُ: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ النَّاذِرَ شَيْءٌ غَيْرُ الْكَفَّارَةِ ، لأَِنَّهُ نَذْرٌ عَجَزَ عَنِ الْوَفَاءِ بِهِ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، كَسَائِرِ النُّذُورِ ، وَلأَِنَّ مُوجِبَ النَّذْرِ مُوجِبُ الْيَمِينِ إِلاَّ مَعَ إِمْكَانِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذَا كَانَ قُرْبَةً [11] وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ" [12]
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُخْتِى نَذَرَتْ - يَعْنِى - أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً. فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ اللَّهَ لاَ يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا فَلْتَحُجَّ رَاكِبَةً وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا » [13] .
وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا يُطِيقُهُ فَلْيَفِ [14] . وَقَالُوا: إِنَّ النَّذْرَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ ، وَمُوجِبُ النَّذْرِ هُوَ مُوجِبُ الْيَمِينِ ، إِلاَّ مَعَ إِمْكَانِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذَا كَانَ قُرْبَةً ، فَإِنْ كَانَ مَعْجُوزًا عَنْهُ فَيَلْزَمُ فِيهِ مَا يَلْزَمُ عِنْدَ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ [15]
ــــــــــــــ
(1) - صحيح مسلم (354 )
(2) - مسند أحمد (2568) صحيح
(3) - انظر الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 40 / ص 208) فما بعد
(4) - المقدمات الممهدات 1 / 404 ، ومواهب الجليل 3 / 320 .
(5) - صحيح البخارى (6696 )
(6) - رد المحتار 3 / 70 ، وبدائع الصنائع 6 / 2885 .
(7) - رد المحتار 3 / 70 ، وبدائع الصنائع 6 / 2864 .
(8) - بدائع الصنائع 6 / 2885 .
(9) - روضة الطالبين 3 / 322 ، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه 8 / 231 ، وزاد المحتاج 4 / 505 .
(10) - رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 3 / 322 ، وَنِهَايَةُ الْمُحْتَاجِ 8 / 231 ، وَزَادُ الْمُحْتَاجِ 4 / 505 .
(11) - الْمُغْنِي 9 / 9 - 11 ، وَالْكَافِي 4 / 428 - 429 ، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 6 / 282 .
(12) - سنن النسائى (3831 ) صحيح دون ذكر الصيام ، وبهذا اللفظ ضعيف
(13) - سنن أبى داود (3297 ) حسن
(14) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 10 / ص 104) (12003 ) وسنن أبى داود (3324) ومصنف ابن أبي شيبة (ج 3 / ص 404) (12313) مرفوعًا وموقوفًا حسن
(15) - الْمُغْنِي 9 / 10 ، وَالْكَافِي 4 / 428 .