قال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} (82) سورة طه
وَكُلُّ مَنْ تَابَ إِلَى اللهِ ، وَرَجَعَ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالمَعْصِيَّةِ وَالنِّفَاقِ . . . وَآمَنَ بِقَلْبِهِ ، وَعَمِلَ صَالِحًا بِجَوَارِحِهِ ، وَاسْتَقَامَ عَلَى السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ ، وَلَمْ يُشَكِّكَ ، فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَيَتُوبُ عَلَيْهِ .
وقال ابن كثير:"وَقَوْله"وَإِنِّي لَغَفَّار لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا"أَيْ كُلّ مَنْ تَابَ إِلَيَّ تُبْت عَلَيْهِ مِنْ أَيّ ذَنْب كَانَ حَتَّى إِنَّهُ تَابَ تَعَالَى عَلَى مَنْ عَبَدَ الْعِجْل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَقَوْله تَعَالَى"تَابَ"أَيْ رَجَعَ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ كُفْر أَوْ شِرْك أَوْ مَعْصِيَة أَوْ نِفَاق وَقَوْله"وَآمَنَ"أَيْ بِقَلْبِهِ"وَعَمِلَ صَالِحًا"أَيْ بِجَوَارِحِهِ وَقَوْله"ثُمَّ اِهْتَدَى"قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْ ثُمَّ لَمْ يُشَكِّك، وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر"ثُمَّ اِهْتَدَى"أَيْ اِسْتَقَامَ عَلَى السُّنَّة وَالْجَمَاعَة، وَرُوِيَ نَحْوه عَنْ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَغَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف، وَقَالَ قَتَادَة"ثُمَّ اِهْتَدَى"أَيْ لَزِمَ الْإِسْلَام حَتَّى يَمُوت ،وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ"ثُمَّ اِهْتَدَى"أَيْ عَلِمَ أَنَّ لِهَذَا ثَوَابًا. [1] "
وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) } [ص/65-66]
قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ: إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ إِلَيْكُمْ لأُحَذِّرَكُمْ مُخَالَفَةَ أوَامِرِهِ حَتَّى لاَ يَحْلَّ بِكُمُ العَذَابُ مِثْلَمَا حَلَّ بِالأُمَمِ السَّابِقَةِ مِنْ قَبْلِكُمْ كَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ . . وَلَسْتُ بِالسَّاحِرِ وَلاَ بِالكَذَّابِ ، حِينَمَا أقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الوَاحِدُ الذِي لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَلاَ مُعِينَ وَلاَ صَاحِبَةَ وَلاَ وَلَدَ ، وَقَدْ قَهَرَ كُلَّ شَيءٍ وَغَلَبَهُ بِعِزَّتِهِ وَجَبَرُوتِهِ .
وَهُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّهُمَا وَمَالِكُهُمَا ، وَهُوَ العَزِيزُ الذِي لاَ يُغَالَبُ ، الغَفُورُ الذِي يَتَجَاوَزُ عَنْ ذُنُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ ، إِذَا تَابَ إِلَيْهِ وَأصْلَحَ وأَنَابَ .
وقال تعالى: { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) } [الزمر/5]
خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَا فِيهِما عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ ، وَأَبْدَعِ نِظَامٍ ، وَجَعَلَهَا قَائِمَةً عَلَى الحَقِّ والصَّوَابِ ، وَالحِكَمِ وَالمَصَالِحِ ، يُتْبِعُ اللَّيْلَ النَّهَارَ ، وَيُتْبعُ النَّهَارَ اللَّيْلَ ، فَهُمَا مُتَعَاقِبَانِ مُتَلاَزِمَانِ لاَ يَفْتَرِقَانِ ، وَجَعَل الشَّمْسَ والقَمَرَ يَجْرِيَانِ فِي مَدَارَيِهِمَا بِنِظَامٍ لاَ يَخْرُجَانِ عَنْهُ ، وَجَعَلَهُمَا مُسَخَّرَين مُذَلَّلَيْنِ لإِرَادَةِ اللهَ تَعَالَى ، وَيَسْتَمِرَّانِ فِي دَوَرَانِهِمَا إِلَى أَجَلٍ عَيَّنَهُ اللهُ لَهُمَا ، هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ ، ثُمَّ يَنْتَهِي أَمْرُهُمَا . وَاللهُ هُوَ العَزِيزُ القَادِرُ عَلَى الانْتِقَامِ مِمَّنَ عَادَاهُ ، وَهُوَ الغَفَّارُ الكَثِيرُ الغُفْرَانِ الذِي يَصْفَحُ عَنْ ذُنُوبِ مَنْ تَابَ إِلَيهِ ، وَرَجَعَ إِلَيهِ مُنيبًا مُسْتَغْفِرًا .
وقال تعالى: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) } [غافر/41-42]
ثُمَّ كَشَفَ هَذَا المُؤْمِنُ عَنْ إِيْمَانِهِ ، فَأَعْلَنَهُ لِقَوْمِهِ ، وَقَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي لِمَاذَا أَدْعُوكُمْ أَنَا إِلَى النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللهِ ، بِالإِيْمَانِ بِاللهِ ، وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ ، وَتَدْعُونَنِي أَنْتُمْ لأَكُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِالبِقَاءِ عَلَى الكُفْرِ ، والعَمَلِ السَّيِّئِ .
فَأَنْتُمْ تَدْعُونَنِي إِلَى الكُفِرِ بِاللهِ والإِشْرَاكِ بِهِ مَنْ دُونَهُ ، بِغَيْرِ بُرْهَانٍ وَلاَ دَلِيلٍ عَلَى صِحَّةِ مَا تَدْعُونَنِي إِلَيهِ ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ خَالِقِ كُلِّ شَيءٍ ، وَقَاهِرِ كُلِّ شَيءٍ ، وَهُوَ الغَفَّارُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ إِذَا اسْتَغْفَرُوهُ وَأَنَابُوا إِلَيهِ .
ــــــــــــــ
(1) - تفسير ابن كثير - (ج 9 / ص 487)