فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 155

الاستغفار ، ولو عظُمت الذُّنوب ، وبلغت الكثرة عَنان السماء ، وهو السَّحاب . وقيل: ما انتهى إليه البصر منها ، فعن أَخْشَنَ السَّدُوسِىَّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ أَوْ [قَالَ] : وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ لَغَفَرَ لَكُمْ، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، أَوْ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ. [1]

والاستغفارُ: طلبُ المغفرة ، والمغفرة: هي وقاية شرِّ الذنوب مع سترها .

وقد كثر في القرآن ذكرُ الاستغفار ، فتارةً يؤمر به ، كقوله تعالى: { وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (البقرة: 199 ) ، وقوله: { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } (هود: 3 ) .

وتارةً يمدحُ أهلَه ، كقوله: { وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ } (آل عمران: 17) ، وقوله:

{ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } (الذاريات: 18 ) ، وقوله: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ } (آل عمران: 135) .

وتارةً يذكر أن الله يغفر لمن استغفره ، كقوله تعالى: { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا } (النساء: 110 ) .

وكثيرًا ما يُقرن الاستغفارُ بذكر التوبة ، فيكون الاستغفارُ حينئذٍ عبارةً عن طلب المغفرة باللسان ، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح .

وتارة يفرد الاستغفار ، ويُرتب عليه المغفرة ، كما ذكر في هذا الحديث وما أشبهه ، فقد قيل: إنَّه أريد به الاستغفارُ المقترن بالتوبة ، وقيل: إنَّ نصوص الاستغفار المفردة كلّها مطلقة تُقيَّدُ بما ذكر في آية (( آل عمران ) )من عدم الإصرار ؛ فإنَّ الله وعد فيها المغفرة لمن استغفره من ذنوبه ولم يُصر على فعله ، فتُحْمَلُ النُّصوص المطلقة في الاستغفار كلّها على هذا المقيد ، ومجرَّدُ قولِ القائل: اللهمَّ اغفر لي ، طلبٌ منه للمغفرة ودعاءٌ بها ، فيكون حكمه حكمَ سائرِ الدعاء ، فإنْ شاء الله أجابه وغفر لصاحبه ، لاسيما إذا خرج عن قلبٍ منكسرٍ بالذنب أو صادف ساعةً من ساعات الإجابة كالأسحار وأدبار الصلوات .

قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ:"يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ، فَإِنَّ لِلَّهِ سَاعَاتٍ لَا يُرَدُّ فِيهَا سَائِلٌ" [2]

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ ، يَقُولُ:"أَكْثِرُوا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ فِي بُيُوتِكُمْ ، وَعَلَى مَوَائِدِكُمْ ، وَفِي طُرُقِكُمْ ، وَفِي أَسْوَاقِكُمْ ، وَفِي مَجَالِسِكُمْ ، أَيْنَمَا كُنْتُمْ فَإِنَّكُمْ مَا تَدْرُونَ مَتَى تَنْزِلُ الْمَغْفِرَةُ" [3]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"بَيْنَا رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ إِذْ نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ وَإِلَى النُّجُومِ فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ لَكِ رَبًّا وَخَلَّاقًا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ" [4]

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ حَبِيبُ بْنُ الْحَارِثِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ مِقْرَافٌ . قَالَ:"فَتُبْ إِلَى اللَّهِ يَا حَبِيبُ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَتُوبُ ثُمَّ أَعُودُ . قَالَ:"فَكُلَّمَا أَذْنَبْتَ فَتُبْ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذًا تَكْثُرُ ذُنُوبِي ، قَالَ:"عَفْوُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ ذُنُوبِكَ يَا حَبِيبُ بْنَ الْحَارِثِ" [5] .

وعن خالد بن أبي عزة أن عليا أَتَاهُ رَجُلٌ , فَقَالَ: مَا تَرَى فِي رَجُلٍ أَذْنَبَ ذَنْبًا قَالَ:"يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ"قَالَ: قَدْ فَعَلَ , ثُمَّ عَادَ . قَالَ:"يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ . قَالَ: قَدْ فَعَلَ , ثُمَّ عَادَ . قَالَ:"يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ , ثُمَّ يَتُوبُ إِلَيْهِ", فَقَالَ لَهُ فِي الرَّابِعَةِ: قَدْ فَعَلَ , ثُمَّ عَادَ , فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَتَّى مَتَى"، ثُمَّ قَالَ:"يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ وَلَا يَمَلُّ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ الْمَحْسُورُ" [6]

وعَنْ مُوَرِّقٍ ، قَالَ:"كَانَ رَجُلٌ يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ ، وَإِنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْبَرِيَّةِ فَجَمَعَ تُرَابًا فَاضْطَجَعَ عَلَيْهِ مُسْتَلْقِيًا فَقَالَ: يَا رَبِّ ، اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لِيَعْرِفُ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ وَيُعَذِّبُ فَغَفَرَ لَهُ" [7]

وعَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ ، قَالَ:"بَيْنَمَا رَجُلٌ خَبِيثٌ فَتَذْكُرَ يَوْمًا إِذْ قَالَ: اللَّهُمَّ غُفْرَانَكَ اللَّهُمَّ غُفْرَانَكَ فَغُفِرَ لَهُ" [8]

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَحْكِى عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ « أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى ذَنْبِى. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِى ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَىْ رَبِّ اغْفِرْ لِى ذَنْبِى. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَبْدِى أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَىْ رَبِّ اغْفِرْ لِى ذَنْبِى. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِى ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ » [9] .

وعن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا » . وَذَكَرَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: « أَذْنَبَ ذَنْبًا » . وَفِى الثَّالِثَةِ: « قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِى فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ » . [10]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أَنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ ذَنْبًا ، فقَالَ: أَيْ رَبِّ ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا أَوْ قَالَ: عَمِلْتُ عَمَلًا فَاغْفِرْ لِي ، فقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ، وَيَأْخُذُ بِهِ ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ أَوْ ، قَالَ: عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ ، قَالَ: رَبِّ إِنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لِي ، فقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ ، فقَالَ: رَبِّ إِنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لِي ، فقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ. [11]

وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، قَالَ: كَانَ قَاصٌّ بِالْمَدِينَةِ ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ: إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا ، فَقَالَ: يَا رَبِّ ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا ، فَاغْفِرْ لِي ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ، وَيَأْخُذُ بِهِ ، فَغَفَرَ لَهُ ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ ، فَقَالَ: يَا رَبِّ ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي ، فَقَالَ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ، وَيَأْخُذُ بِهِ ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ ذَنْبًا ، فَقَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا ، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ ، قَدْ غَفَرْتُ لَكَ" [12] "

والمعنى: ما دام على هذا الحال كلَّما أذنب استغفر . والظاهر أنَّ مرادهُ الاستغفارُ المقرون بعدم الإصرار ، فعَنْ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِى الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً » [13] .

وأمّا استغفارُ اللسان مع إصرار القلب على الذنب ، فهو دُعاء مجرَّد إنْ شاء الله أجابه ، وإنْ شاء ردَّه، وقد يكون الإصرار مانعًا من الإجابة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ اللَّهُ لَكُمْ، وَيْلٌ لأَقْمَاعِ الْقَوْلِ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا، وَهُمْ يَعْلَمُونَ. [14]

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ، وَالْمُسْتَغْفِرُ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ ، وَمَنْ أَذَى مُسْلِمًا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ كَذَا وَكَذَا"ذَكَرَ شَيْئًا" [15] "

وعَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ:"ثَلَاثَةٌ لَا يَسْمَعُ اللَّهُ لَهُمْ دُعَاءً: رَجُلٌ مَعَهُ امْرَأَةُ زِنَا كُلَّمَا قَضَى شَهْوَتَهُ مِنْهَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ، فَيَقُولُ الرَّبُّ: تَحَوَّلْ عَنْهَا وَأَنَا أَغْفِرُ لَكَ وَإِلَّا فَلَا ، وَرَجُلٌ بَاعَ بَيْعًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَلَمْ يُشْهِدْ وَلَمْ يَكْتُبْ فَكَابَرَهُ الرَّجُلُ بِمَالِهِ , فَيَقُولُ: يَا رَبِّ , كَابَرَنِي بِمَالِي , فَيَقُولُ الرَّبُّ: لَا آجُرُكَ وَلَا أُنْجِيكَ إِنِّي أَمَرْتُكَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ فَعَصَيْتَنِي ، وَرَجُلٌ يَأْكُلُ مَالَ قَوْمٍ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ , وَيَقُولُ: يَا رَبِّ , اغْفِرْ لِي مَا أَكَلْتُ مِنْ مَالِهِمْ , فَيَقُولُ الرَّبُّ: رُدَّ إِلَيْهِمْ مَالَهُمْ فَأَغْفِرَ لَكَ وَإِلَّا فَلَا" [16]

وقول القائل: أستغفر الله ، معناه: أطلبُ مغفرته ، فهو كقوله: اللهمَّ اغفر لي ، فالاستغفارُ التامُّ الموجبُ للمغفرة: هو ما قارن عدمَ الإصرار ، كما مدح الله أهله ، ووعدهم المغفرة ، قال بعض العارفين: من لم يكن ثمرةُ استغفاره تصحيح توبته ، فهو كاذب في استغفاره ، وكان بعضُهم يقول: استغفارُنا هذا يحتاج إلى استغفارٍ كثير ، وفي ذلك يقولُ بعضهم:

أستغْفِرُ الله مِنْ أستغفرُ الله من لَفظةٍ بَدَرَتْ خالفْتُ معناها

وكيفَ أرجو إجاباتِ الدُّعاء وقد سَدَدْتُ بالذَّنب عندَ الله مَجراها

فأفضل الاستغفار ما اقترن به تركُ الإصرار ، وهو حينئذ توبةٌ نصوح ، وإنْ قال بلسانه: أستغفر الله وهو غيرُ مقلع بقلبه ، فهو داعٍ لله بالمغفرة ، كما يقول: اللهمَّ اغفر لي ، وهو حسن وقد يُرجى له الإجابة ، وأما من قال: توبةُ الكذابين ، فمرادُه أنَّه ليس بتوبة ، كما يعتقده بعضُ الناس ، وهذا حقٌّ ، فإنَّ التَّوبةَ لا تكون مَعَ الإصرار .

وإن قال: أستغفر الله وأتوبُ إليه فله حالتان:

إحداهما: أن يكونَ مصرًّا بقلبه على المعصية ، فهذا كاذب في قوله: (( وأتوب إليه ) )لأنَّه غيرُ تائبٍ ، فلا يجوزُ له أن يخبر عن نفسه بأنَّه تائبٌ وهو غير تائب .

والثانية: أنْ يكون مقلعًا عن المعصية بقلبه ، فاختلف الناس في جوازِ قوله: وأتوب إليه ، فكرهه طائفةٌ من السَّلف ، وهو قولُ أصحاب أبي حنيفة حكاه عنهم الطحاوي ، وقال الربيع بن خثيم: يكونُ قولُه: (( وأتوب إليه ) )كذبةً وذنبًا ، ولكن ليقل: اللهمَّ تُبْ عليَّ ، أو يقول: اللهمَّ إنِّي أستغفرك فتُب عليَّ ، وهذا قد يُحمل على من لم يقلع بقلبه وهو بحاله أشبه . وكان محمد بن سوقة يقول في استغفاره: استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأسأله توبة نصوحًا .

فعَنْ سُلَيْمٍ الْعَامِرِيِّ ، قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ ، يَقُولُ: بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَخْشَى اللَّهَ ، وَبِحَسْبِهِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ ثُمَّ يَعُودُ [17] .

وعَنِ الْجَرِيرِيِّ قَالَ: سَمِعَ مُطَرِّفٌ رَجُلًا يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ قَالَ:"فَلَعَلَّكَ لَا تَفْعَلُ" [18] .

وهذا ظاهره يدلُّ على أنَّه إنَّما كره أنْ يقول: وأتوب إليه ؛ لأنَّ التوبة النصوحَ أنْ لا يعودَ إلى الذنب أبدًا ، فمتى عاد إليه ، كان كاذبًا في قوله: (( أتوب إليه ) ).

وكذلك سُئِل محمدُ بن كعب القُرظِيُّ عمَّن عاهد الله أنْ لا يعود إلى معصية أبدًا ، فقال: من أعظم منه إثمًا يتألَّي على الله أنْ لا ينفذ فيه قضاؤه ، ورجَّح قوله في هذا أبو الفرج ابنُ الجوزي ، ورُوي عن سُفيان بن عُيينة نحو ذلك . [19]

وجمهورُ العلماء على جواز أنْ يقول التائب: أتوبُ إلى الله ، وأنْ يُعاهِدَ العبدُ ربَّه على أنْ لا يعود إلى المعصية ، فإنَّ العزم على ذلك واجبٌ عليه ، فهو مخبر بما عزم عليه في الحال ، لهذا قال:"ما أصرَّ من استغفر ، ولو عاد في اليوم سبعين مرة" [20] . وقال في المعاود للذنب:"قد غفرتُ لعبدي ، فليعمل ما شاء" [21] .

وفي حديث كفارة المجلس:"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ." [22] ، وعَنْ أَبِى أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِىَ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ » . قَالَ: بَلَى. فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِىءَ بِهِ فَقَالَ: « اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ » . فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ: « اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ » . ثَلاَثًا [23] .

واستحبَّ جماعة من السَّلف الزيادة على قوله:"أستغفر الله وأتوب إليه"فعن يزيد بن الأصم قَالَ: سَمِعَ عمرُ بنُ الخطاب رَجُلًا يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ:"أَتْبِعْهَا أُخْتَهَا: فَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي" [24]

وسئل الأوزاعيُّ عن الاستغفار: أيقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوبُ إليه ، فقال: إنَّ هذا لحسن ، ولكن يقول: ربِّ اغفر لي حتى يتمَّ الاستغفار . [25]

وأفضل أنواع الاستغفار: أنْ يبدأ العبدُ بالثَّناء على ربِّه ، ثم يثني بالاعتراف بذنبه ، ثم يسأل الله المغفرة، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي ، وَأَنَا عَبْدُكَ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ ، أَصْبَحْتُ عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ ، وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذُنُوبِي ، فَاغْفِرْ لِي ، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ. [26]

وفي الصحيحين عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّديقِ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ أنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: عَلِّمْنِي دُعاءً أدْعُو بِهِ فِي صَلاَتي ، قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا ، وَلاَ يَغْفِرُ الْذُّنُوبَ إِلا أنْتَ ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ ، وَارْحَمْنِي ، إِنَّكَ أنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .. [27]

ومن أنواع الاستغفار أنْ يقولَ العبدُ:"أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيُّوم وأتوب إليه"فعن زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ » [28] .

وعَنْ خَبَّاب بن الأرتِّ ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَسْتَغْفِرُ ؟ قَالَ:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ، وَتُبْ عَلَيْنَا ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" [29]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [30]

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ الْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ جَلَّ وَعَلاَ فِي الأَحْوَالِ عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفْنَاهُ ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَلاِسْتِغْفَارِهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعْنَيَانِ:

أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ بَعَثَهُ مُعَلِّمًا لِخَلْقِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا ، فَكَانَ يُعَلِّمُ أُمَّتَهُ الاِسْتِغْفَارَ وَالدَّوَامَ عَلَيْهِ ، لِمَا عَلِمَ مِنْ مُقَارَفَتِهَا الْمَآثِمَ فِي الأَحَايِينِ بِاسْتِعْمَالِ الاِسْتِغْفَارِ . ...

وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِنَفْسِهِ عَنْ تَقْصِيرِ الطَّاعَاتِ لاَ الذُّنُوبِ ، لأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ عَصَمَهُ مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ ، وَاسْتَجَابَ لَهُ دُعَاءَهُ عَلَى شَيْطَانِهِ حَتَّى أَسْلَمَ ، وَذَاكَ أَنَّ مِنْ خُلُقِ الْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا أَتَى بِطَاعَةٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ دَاوَمَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَقْطَعْهَا ، فَرُبَّمَا شُغِلَ بِطَاعَةٍ عَنْ طَاعَةٍ حَتَّى فَاتَتْهُ إِحْدَاهُمَا ، كَمَا شُغِلَ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ بِوَفْدِ تَمِيمٍ ، حَيْثُ كَانَ يَقْسِمُ فِيهِمْ وَيَحْمِلُهُمْ حَتَّى فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ بَعْدَ الظُّهْرِ ، فَصَلاَّهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ دَاوَمَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِيمَا بَعْدُ ، فَكَانَ اسْتِغْفَارُهُ - صلى الله عليه وسلم - لِتَقْصِيرِ طَاعَةٍ أَنْ أَخَّرَهَا عَنْ وَقْتِهَا مِنَ النَّوَافِلِ لاِشْتِغَالِهِ بِمِثْلِهَا مِنَ الطَّاعَاتِ الَّتِي كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْلَى مِنْ تِلْكَ الَّتِي كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهَا ، لاَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَغْفِرُ مِنْ ذُنُوبٍ يَرْتَكِبُهَا.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: رُبَّمَا أَعُدُّ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" [31] "

(1) - غاية المقصد في زوائد المسند (4798 ) صحيح

(2) - شُعَبُ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ (1167)

(3) - التَّوْبَةُ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (151 ) حسن

(4) - حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (107 ) ضعيف

(5) - المعجم الأوسط للطبراني (5415 ) ضعيف

(6) - الزهد لهناد بن السري (904 ) ومسند البزار (6913) حسن

(7) - حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (108 ) صحيح مقطوع

(8) - حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (109 ) صحيح مقطوع

(9) - صحيح مسلم (7162 )

(10) - صحيح مسلم (7164 )

(11) - صحيح ابن حبان - (ج 2 / ص 390) (622) صحيح

(12) - المستدرك للحاكم (7608) صحيح

(13) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 188) (21284) والدعاء للطبراني -العلمية - (ج 1 / ص 507) ( 1797 ) عن ابن عباس حسن لغيره

(14) - مسند أحمد (6698) وغاية المقصد في زوائد المسند (4755 ) حسن

الأقماع: جمع قمع وهو الإناء الذى يترك في رءوس الظروف لتملأ بالمائعات

(15) - التَّوْبَةُ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (85 ) ورجح ابن رجب وقفه

(16) - الزُّهْدُ لِهَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ (898 ) ضعيف

(17) - الزُّهْدُ أَبِي دَاوُدَ (269 ) حسن

(18) - زُهْدُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (1341 ) صحيح

(19) - جامع العلوم والحكم محقق - (ج 44 / ص 12)

(20) - مر تخريجه

(21) - مر تخريجه

(22) - سنن أبى داود (4859 ) صحيح

(23) - سنن أبى داود (4382 ) حسن

(24) - الزهد لهناد بن السري (924) وفيه انقطاع

ويْح: كَلمةُ تَرَحُّمٍ وتَوَجُّعٍ، تقالُ لمن وَقَع في هَلَكةٍ لا يَسْتَحِقُّها. وقد يقال بمعنى المدح والتَّعجُّب

(25) - جامع العلوم والحكم محقق - (ج 44 / ص 13)

(26) - صحيح ابن حبان - (ج 3 / ص 212) (932) وهو في البخاري 8/83 ( 6306 ) و8/88 ( 6323 )

(27) - صحيح البخارى (834 ) ومسلم (7044 )

(28) - سنن أبى داود (1519) صحيح

(29) - السنن الكبرى للإمام النسائي الرسالة - (ج 6 / ص 273) (10224) حسن

(30) - صحيح ابن حبان - (ج 3 / ص 207) (928) صحيح

(31) - صحيح البخارى (6307 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت