قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } (114) سورة هود
وَأَدِّ الصَّلاَةَ عَلَى الوَجْهِ القَوِيمِ ، وَأَدِمْهَا فِي طَرَفَي النَّهَارِ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ ، فِي الغَدَاةِ وَالعَشِيِّ ، وَفِي أَوَائِلِ الليْلِ ، لأَنَّ الأَعْمَالَ الحَسَنَةَ تُزَكِّى النُّفُوسَ وَتُصْلِحُها ، وَتُذْهِبُ السَّيِّئَاتِ المُؤَاخَذَ عَنْهَا .
وَفِي الوَصَايَا التِي أَوْصَاكَ اللهُ بِهَا مِنَ الاسْتِقَامَةِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الطُّغْيَانِ ، وَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ . . . عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ ، الذِينَ يُرَاقِبُونَ اللهَ ، وَلاَ يَنْسَوْنَهُ .
وَعَنِ الْحَارِثِ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: جَلَسَ عُثْمَانُ يَوْمًا وَجَلَسْنَا مَعَهُ ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ - أَظُنُّهُ يَكُونُ فِيهِ مُدٌّ - فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ وُضُوئِي هَذَا ، ثُمَّ قَالَ:"مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى صَلَاةَ الظُّهْرِ - غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصُّبْحِ ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ صَلَّى الْعَشَاءَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيَّنَهَا وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يَبِيتُ يَتَمَرَّغُ لَيْلَتَهُ ، ثُمَّ إِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الصُّبْحَ - غُفِرَ لَهُ مَا بَيَّنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، وَهُنَّ الْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ". قَالُوا: هَذِهِ الْحَسَنَاتُ ، فَمَا الْبَاقِيَاتُ يَا عُثْمَانُ ؟ قَالَ: هُنَّ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . [1]
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً ، فَأَتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ) . فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِى هَذَا قَالَ « لِجَمِيعِ أُمَّتِى كُلِّهِمْ » [2] .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ ، إِنِّي أَخَذْتُ امْرَأَةً فِي الْبُسْتَانِ ، فَفَعَلْتُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ ، غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا ، قَبَّلْتُهَا ، وَلَزِمْتُهَا ، وَلَمْ أَفْعَلْ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَافْعَلْ بِي مَا شِئْتَ ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَيْئًا ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، لَوْ سَتَرَ عَلَى نَفْسِهِ ، قَالَ: فَأَتْبَعَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَصَرَهُ ، فَقَالَ: رَدُّوهُ عَلَيَّ ، فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ:"أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: أَلَهُ وَحْدَهُ ، أَمْ لِلنَّاسِ كَافَّةً ، يَا نَبِيَّ اللهِ ؟ فَقَالَ: بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً. [3] "
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاَقَكُمْ ، كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ , وَإِنَّ اللَّهَ , عَزَّ وَجَلَّ , يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ ، وَمَنْ لاَ يُحِبُّ , وَلاَ يُعْطِي الدِّينَ إِلاَّ لِمَنْ أَحَبَّ , فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لاَ يُسْلِمُ عَبْدٌ , حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ ، وَلاَ يُؤْمِنُ ، حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ , قَالُوا: وَمَا بَوَائِقُهُ , يَا نَبِيَّ اللهِ ؟ِ قَالَ: غَشْمُهُ , وَظُلْمُهُ , وَلاَ يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالًا مِنْ حَرَامٍ , فَيُنْفِقَ مِنْهُ , فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ , وَلاَ يَتَصَدَّقَ بِهِ فَيُقْبَلَ مِنْهُ , وَلاَ يَتْرُكَ خَلْفَ ظَهْرِهِ , إِلاَّ كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ , إِنَّ اللَّهَ , عَزَّ وَجَلَّ , لاَ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ , وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ , إِنَّ الْخَبِيثَ لاَ يَمْحُو الْخَبِيثَ. [4]
وعن إبراهيم قال: جاء فُلانُ بن معتِّب رجل من الأنصار ، فقال: يا رسول الله دخلت عليّ امرأة، فنلتُ منها ما ينالُ الرجل من أهله، إلا أني لم أواقعها ؟ فلم يدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يجيبه ، حتى نزلت هذه الآية: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) ، الآية، فدعاه فقرأها عليه. [5]
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: امْرَأَةٌ جَاءَتْ تُبَايِعُهُ فَأَدْخَلْتُهَا الدَّوْلَجَ فَأَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ الْجِمَاعِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ لَعَلَّهَا مُغِيبٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: فَأْتِ أَبَا بَكْرٍ فَاسْأَلْهُ، فَقَالَ: لَعَلَّهَا مُغِيبٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ، ثُمَّ أَتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَعَلَّهَا مُغِيبٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِى خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فَضَرَبَ [عُمَرُ صَدْرَهُ] بِيَدِهِ وَقَالَ: لاَ، وَلاَ نَعْمَةَ عَيْنٍ بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: صَدَقَ عُمَرُ. [6]
وعن أبي اليَسَرِ (كعب بن عمرو الأنصاري) قال: (أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرًا، فقلت إن في البيت تمرًا أجود من هذا، فدخلتْ فأهويتُ إليها فقبَّلتُهاُ فأتيتُ أبا بكر، فقال: استر على نفسك، وتب واستغفر الله. فأتيت رسول الله فقال:"أَخَلَفْتَ رَجُلًا غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فِي أَهْلِهِ بِمِثْلِ هَذَا؟". حتى ظننت أني من أهل النار، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ، قال: فأطرق رسول الله ساعة، فنزل جبرئيل، فقال:"أين أبو اليَسَرِ؟". فجئت فقرأ علي:(وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [هود: 114] . قال إنسانٌ له: يا رسول الله، خاصة أم للناس عامة؟ قال:"لِلنَّاسِ عَامَّةً". [7]
وعن يحيى بن جعدة: أن رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر امرأة وهو جالسٌ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فاستأذنه لحاجة، فأذن له، فذهب يطلبها فلم يجدها. فأقبل الرجل يريد أن يُبَشّر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمطر، فوجد المرأة جالسةً على غديرٍ، فدفع في صدرها وجلس بين رجليها، فصار ذكره مثل الهُدْبة، فقام نادمًا حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما صنع، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: استغفر ربَّك وصلّ أربع ركعات: قال: وتلا عليه: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) ، الآية [8] .
وعَنْ مُعَاذِ بن جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ لا تَحِلُّ لَهُ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ إِلا أَتَاهُ، إِلا إِنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا؟ فَقَالَ:"تَوَضَّأْ وُضُوءًا حَسَنًا، ثُمَّ قُمْ فَصَلِّ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ:"أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ" [هود آية 114] ، فَقَالَ مُعَاذٌ: هِيَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ خَاصَّةً، أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ:"لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً". [9]
وعَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ ، يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ فِيَّ حَدَّ اللَّهِ ، مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنٍ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ: أَيْنَ الْقَائِلُ أَقِمْ فِيَّ حَدَّ اللَّهِ ؟ قَالَ: أَنَا ذَا ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ أَتْمَمْتَ الْوضُوءَ وَصَلَّيْتَ مَعَنَا آنِفًا ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: فَإِنَّكَ مِنْ خَطِيئَتِكَ كَمَا وَلَدَتْكَ أُمُّكَ وَلاَ تَعُدْ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَئِذٍ: {أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} . [10]
وعَنْ أَبِى عُثْمَانَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ الْفَارِسِىِّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، وَأَخَذَ مِنْهَا غُصْنًا يَابِسًا فَهَزَّهُ حَتَّى تَحَاتَّ وَرَقُهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، أَلاَ تَسْأَلُنِى لِمَ أَفْعَلُ هَذَا؟ قُلْتُ: وَلِمَ تَفْعَلُهُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا مَعَهُ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا غُصْنًا يَابِسًا، فَهَزَّهُ حَتَّى تَحَاتَّ وَرَقُهُ، فَقَالَ:"يَا سَلْمَانُ، أَلاَ تَسْأَلُنِى لِمَ أَفْعَلُ هَذَا؟ فَقُلْتُ: وَلِمَ تَفْعَلُهُ؟ قَالَ:"إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُ كَمَا يَتَحَاتُّ هَذَا الْوَرَقُ، وَقَالَ: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] . [11]
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوْصِنِي ، قَالَ:"إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمِنَ الْحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ:"هِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ". [12]
وعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَا قَالَ عَبْدٌ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلا طُمِسَتْ مَا فِي صَحِيفَتِهِ مِنَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى يَسْكُنَ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ" [13] "
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا تَرَكْتُ مِنْ حَاجَةٍ وَلاَ دَاجَةٍ إِلَّا أَتَيْتُ عَلَيْهَا ، قَالَ: أَلَيْسَ تَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ. [14]
الإنفاقُ من طبيات ما كسبنا
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) } [البقرة/267-268]
يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِالإِنْفَاقِ مِنْ أَطْيَبِ المَالِ وَأَجْوَدِهِ ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ التَّصَدُّقِ بِأرْذَلِ المَالِ وَأخَسِّهِ . لأنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إلاّ طَيِّبًا . وَيَقُولُ لَهُمْ لاَ تَقْصُدُوا المَالَ الخَبِيثَ لِتُنْفِقُوا مِنْهُ ، وَهَذا المَالُ الخَبِيثُ لَو أنَّهُ أُعْطِيَ إِلَيْكُمْ لَمَا أخَذْتُمُوهُ ، إِلاَّ عَنْ إِغْمَاضٍ وَحَيَاءٍ . وَلْيَعْلَمِ المُؤْمِنُونَ أنَّ اللهَ وَإِنْ أمَرَهُمْ بِالصَّدَقَاتِ فَإِنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُمْ وَعَنْ صَدَقَاتِهِمْ ، وَهُوَ إنمَّا يَحُثُّهُمْ عَلَى التَّصَدُّقِ وَالإِنْفَاقِ لِيسَاوِيَ بَيْنَ الغَنِيِّ وَالفَقِيرِ ، وَاللهُ حَمِيدٌ فِي جَميعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدرِهِ ، عَنِ الْبَرَاءِ ؛ (وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) قَالَ: نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ، كُنَّا أَصْحَابَ نَخْلٍ ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مِنْ نَخْلِهِ عَلَى قَدْرِ كَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالْقِنْوِ وَالْقِنْوَيْنِ ، فَيُعَلِّقُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا جَاعَ أَتَى الْقِنْوَ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ ، فَيَسْقُطُ مِنَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ ، فَيَأْكُلُ ، وَكَانَ نَاسٌ مِمَّنْ لاَ يَرْغَبُ فِي الْخَيْرِ ، يَأْتِى الرَّجُلُ بِالْقِنْوِ فِيهِ الشِّيصُ وَالْحَشَفُ ، وَبِالْقِنْوِ قَدِ انْكَسَرَ ، فَيُعَلِّقُهُ ، فَأَنْزَلَ اللهُ ، تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) قَالُوا: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُ ، لَمْ يَأْخُذْهُ إِلاَّ عَلَى إِغْمَاضٍ وَحَيَاءٍ ، قَالَ: فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ يَأْتِي أَحَدُنَا بِصَالِحِ مَا عِنْدَهُ. [15]
وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِزَكَاةِ الْفِطْرِ ، بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِتَمْرٍ رَدِيءٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ: لاَ تَخْرُصْ هَذَا التَّمْرَ ، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [16]
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بن سَهْلِ بن حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِكَبَائِسَ مِنْ هَذَا السَّخْلِ،فَوَضَعَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ:"مَنْ جَاءَ بِهَذَا؟"، فَكَانَ لا يَجِيءُ أَحَدٌ إِلا صَبَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ، فَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] ، وَنَهَى يَوْمَئِذٍ عَنِ الْجُعْرُورِ، وَلَوْنِ ابْنِ الْحُبَيْقِ، أَنْ يُؤْخَذَ فِي الصَّدَقَةِ". قَالَ الزُّهْرِيُّ:"صِنْفَانِ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ"، [17] "
الشَّيطَانُ يُخَوّفُ المُتَصَدِّقِينَ مِنْكُمْ مِنَ الفَقْرِ ، لِتمْسِكُوا مَا بِأيدِيكُمْ ، وَلا تُنْفِقُوهُ فِي سَبِيلِ مَرْضَاةِ اللهِ ، وَيَأمُرُكُمْ بِارْتِكَابِ المَعَاصِي وَالمَآثِمِ ، وَمُخَالَفَةِ الأَخْلاَقِ ، وَاللهُ يَعِدُكُمْ بِالخَيْرِ وَالمَغْفِرَةِ وَالرِّزْقِ ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ، وَبِمَا أَوْدَعَهُ اللهُ فِي الفِطَرِ السَّلِيمَةِ مِنْ حُبِّ الخَيْرِ .
وَاللهُ وَاسعُ الرِّزْقِ وَالعَطَاءِ وَالمَغْفِرَةِ . عَليمٌ بِأحْوَالِكُمْ وَمَا فِيهِ خَيْرُكُمْ .
ــــــــــــــ
(1) - مسند أحمد (523) حسن
(2) - صحيح البخارى (526) ومسلم (7177)
(3) - مسند أحمد (4378) صحيح
(4) - مسند أحمد (3744) مرفوعًا وموقوفًا والصواب وقفه
(5) - تفسير الطبري - (ج 15 / ص 519) (18675) صحيح لغيره
(6) - مسند أحمد (2244) صحيح لغيره
(7) - تفسير الطبري - (ج 15 / ص 523) (18684) حسن
(8) - تفسير الطبري - (ج 15 / ص 523) (18683) صحيح لغيره
(9) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 15 / ص 54) (16698 ) صحيح لغيره
(10) - مسند الشاميين ( 1840) صحيح
(11) - غاية المقصد في زوائد المسند (458) ومسند أحمد (24428) حسن
(12) - مسند أحمد (22104) حسن لغيره
(13) - مسند أبي يعلى الموصلي (3611) ضعيف
(14) - المعجم الصغير للطبراني (1025) حسن
(15) - سنن الترمذى (3255 ) صحيح
(16) - المستدرك للحاكم (3122) صحيح
(17) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 5 / ص 327) (5433) حسن