رابعًا
كَفَّارَةُ الظِّهَارِ
قال تعالى: { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) } [المجادلة/2- 4]
الذِينَ يَقَعُ مِنْهُم الظِّهَارُ مِنْ نِسَائِهِمْ ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ لامْرَأَتِهِ: ( أَنْتِ عَليَّ كَظَهْرِ أُمِّي ) ، وَهُوَ يُريدُ بِذَلِكَ تَحْرِيمَهَا عَلَى نَفْسِهِ ، كَمَا تَحْرُمُ الأُمُّ عَلَى ابْنِهَا ، هُمْ مُخْطِئونَ فِيمَا يَصْنَعُونَ ، فَزَوْجَةُ المَرءِ لَيْسَتْ أُمَّهُ ، لأَنَّ أُمَّهُ هِيَ التِي وَلَدَتْهُ دُونَ غَيِرِهَا مِنَ النِّسَاءِ ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَبِّهَ المَرْءُ أُمَّهُ بِغَيِرِهَا مِنَ النِّسَاءِ . وَهَؤُلاَءِ الذِينَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ ، وَيُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِم ، يَقُولُونَ قَوْلًا نُكرًا لاَ يُجِيزُهُ الشَّرْعُ وَيَقُولُونَ كَذِبًا وَزُورًا وَبَاطِلًا ، لأَنَّ رَابِطَةَ الزَّوْجَةِ بِزَوْجِهَا هِيَ رَابِطَةٌ وَاسِعَةٌ خَاصَّةٌ ، لَيْسَ مِثْلَهَا رَابِطَةُ الأُمِّ بِابْنِهَا ، لأنَّهَا رَابَطةٌ تَقُومُ عَلَى الاحْتِرَامِ وَالإِجْلاَلِ .
وَاللهُ كَثِيرُ العَفْوِ وَالغُفْرَانِ لِذُنُوبِ مِنْ تَابَ إِلَيهِ مِمَا قَالَ ، وَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ تَائِبًا مُنِيبا . ً
وَالذِينَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ المُنْكَرَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَمَّا قَالُوا ، وَيُرِيدُونَ مُوَاقَعَةَ نِسَائِهِمْ ، فَعَلَيْهِمْ إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ قَبْلَ التَّمَاسِّ ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ الإِعْتَاقُ فِي طَوْقِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ ، وَقَدْ شَرَعَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الكَفَّارَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِظَةً لِلْمُتَسَرِّعِينَ ، وَرَادِعًا لَهُمْ عَنْ أَنْ يَقَعُوا فِيهِ ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِأْعْمَالِ العِبَادِ ، لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ .
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً يُعْتِقُهَا ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِهِ أَنْ يَشتَرِيَ رَقَبَةً يُعْتِقُهَا ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ ، قَبْلَ التَّمَاسِّ ، فَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا وَاحِدًا مِنَ الشَّهْرَينِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الإِفْطَارُ لِعُذْرٍ أَوْ سَفَرٍ ، لِزَمَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الصِّيَامَ مِنْ جَدِيدٍ لِزَوَالِ التَّتَابُعِ .
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ هَذَا الصَّوْمَ ، لِكِبَرِ سِنِّهِ ، أَوْ لِمَرَضٍ أَصَابَهُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفُ صَاعٍ مِنَ الحِنْطَةِ ، أَوْ صَاعٌ مِنَ الشَّعِيرِ ، قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ التَّمَاسُّ بَيْنَهُمَا؛ وَقَدْ فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُؤْمِنِينَ هَذِهِ الكَفَّارَةَ لِيُقِرُّوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى ، وَيُصَدِّقُوا بِرَسُولِهِ ، وَيَتَقَيَّدُوا بِحُدُودِ مَا فَرَضَ اللهُ ، وَلاَ يَتَجَاوَزُوهَا ، وَلِلْكَافِرِينَ بِفَرَائِضِ اللهِ وَحُدُودِهِ ، عَذَابٌ أَلِيمٌ .
وقال الفقهاء:"إِذَا ظَاهَرَ الرَّجُل مِنِ امْرَأَتِهِ بِأَنْ قَال لَهَا: أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ . وَمِنْ أَنْوَاعِهَا الإِْطْعَامُ عِنْدَ عَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ ، عَلَى هَذَا اتَّفَقَ أَهْل الْعِلْمِ ، فَلاَ يُجْزِئُ إِلاَّ هَذَا التَّرْتِيبُ [1] ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا . . } (سورة المجادلة / 3 - 4 .) "
مِقْدَارُ الإِْطْعَامِ الْوَاجِبِ فِي الْكَفَّارَةِ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجِبُ لِكُل فَقِيرٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ ، أَوْ صَاعٌ كَامِلٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ . وَالدَّقِيقُ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ بِمَنْزِلَةِ أَصْلِهِ ، وَكَذَا السَّوِيقُ ، وَهَل يُعْتَبَرُ تَمَامُ الْكَيْل أَوِ الْقِيمَةِ فِي كُلٍّ مِنَ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ ؟ . فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ . [2]
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ لِكُل فَقِيرٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ ، أَوْ مِقْدَارُ مَا يَصْلُحُ لِلإِْشْبَاعِ مِنْ بَقِيَّةِ الأَْقْوَاتِ التِّسْعَةِ ، وَهِيَ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ ، [3] وَالذُّرَةُ ، وَالدُّخْنُ ، وَالأَْرُزُّ ، وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ ، وَالأَْقِطُ . [4]
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ لِكُل فَقِيرٍ مُدٌّ وَاحِدٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الأَْصْنَافِ السَّابِقَةِ أَوْ غَيْرِهَا [5] .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ لِكُل مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ أَقِطٍ ، وَيُجْزِئُ دَقِيقٌ وَسَوِيقٌ بِوَزْنِ الْحَبِّ ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ قُوتِ الْبَلَدِ أَوْ لاَ ، وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ مِنْهُمْ: يُجْزِئُ كُل أَقْوَاتِ الْبَلَدِ ، وَالأَْفْضَل عِنْدَهُمْ إِخْرَاجُ الْحَبِّ . [6]
ــــــــــــــ
(1) - الاختيار 3 / 163 ، وابن عابدين 2 / 578 ، 582 ، وجواهر الإكليل 1 / 378 ، وقليوبي وعميرة 4 / 21 ، والمغني 7 / 359 ط السعودية .
(2) - ابن عابدين 2 / 582 .
(3) - السلت: بضم السين ، قال الأزهري: حب بين الحنطة والشعير ولا قشر له . المصباح المنير مادة ( سلت ) .
(4) - جواهر الإكليل 1 / 228 ، والأقط: قال الزهري: يتخذ من اللبن المخيض ، يطبخ ثم يترك حتى يمصل . المصباح المنير مادة ( أقط ) .
(5) - قليوبي وعميرة 4 / 27 ، 274 .
(6) - المغني 7 / 369 ، 370 ، 375 .