ومن أهمِّ ما يسألُ العبد ربَّه مغفرةُ ذنوبه ، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار ، ودخول الجنة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِرَجُلٍ: مَا تَقُولُ فِي الصَّلاَةِ ؟ فَقَالَ: أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ. أَنَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلاَ دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ. [1]
وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاتِكَةِ ، يُخَبَرٍ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ ، وَذَكَرُوا لَهُ مَا يُسْتَجَابُ لَهُ مِنْ دُعَائِهِ قَالَ: مَا عُرِضَتْ لِي دَعْوَةٌ قَطُّ إِلَّا ذَكَرْتُ جَهَنَّمَ فَصَرَفْتُ دَعْوَتِي إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهَا . [2]
ومن رحمة الله تعالى بعبده أنَّ العبدَ يدعوه بحاجةٍ من الدنيا ، فيصرفها عنه ، ويعوِّضه خيرًا منها ، إما أنْ يَصرِفَ عنه بذلك سوءًا ، أو أنْ يدَّخِرَها له في الآخرة ، أو يَغفِر له بها ذنبًا ، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ مَا سَأَلَ أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهُ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ » [3] .
وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ، لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاَثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِى الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ. [4]
وبكلِّ حالٍ ، فالإلحاحُ بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله تعالى موجبٌ للمغفرة ، والله تعالى يقول: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِى وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِى" [5] "
وعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ. [6]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:"أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَإِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ الْخَيْرُ فَلَا تَظُنُّوا بِاللَّهِ إِلَّا خَيْرًا" [7]
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: حَدِّثْنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"يَأْتِي اللَّهُ بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي حِجَابِهِ فَيَقُولُ لَهُ: اقْرَأْ صَحِيفَتَكَ ، فَيَقْرَأُ وَيُقَرِّرُهُ بِذَنْبٍ ذَنْبٍ ، وَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ؟ أَتَعْرِفُ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ ، فَيَقْرَأُ ، فَيَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً ، فَيَقُولُ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ يَا عَبْدِي ، إِنَّكَ فِي سِتْرِي ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى ذُنُوبِكَ غَيْرِي ، اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ . فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ . وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُقَالُ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" [8] . ،
فمن أعظم أسباب المغفرة أنَّ العبد إذا أذنب ذنبًا لم يرج مغفرته من غير ربِّه ، ويعلم أنه لا يغفر الذنوبَ ويأخذ بها غيرُه ، فعَنْ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: « يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِى وَرَجَوْتَنِى غَفَرْتُ لَكَ مَا كَانَ فِيكَ ، ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تَلْقَانِى بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً بَعْدَ أَنْ لاَ تُشْرِكَ بِى شَيْئًا ، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تُذْنِبْ حَتَّى يَبْلُغَ ذَنْبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَسْتَغْفِرُنِى أَغْفِرْ لَكَ وَلاَ أُبَالِى » . [9]
وقوله:"إنَّك ما دعوتني ورجوتني ، غفرتُ لك على ما كان منك ولا أُبالي"يعني: على كثرة ذنوبك وخطاياك ، ولا يتعاظمني ذلك ، ولا أستكثره ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيُعْظِمِ الرَّغْبَةَ ، فَإِنَّهُ لاَ يَتَعَاظَمُ عَلَى اللهِ شَيْءٌ. [10]
فذنوب العباد وإنْ عظُمَت فإنَّ عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم ، فهي صغيرةٌ في جنب عفوِ الله ومغفرته . فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: وَاذُنُوبَاهُ وَاذُنُوبَاهُ ، فَقَالَ هَذَا الْقَوْلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: قُلِ: اللَّهُمَّ مَغْفِرَتِكَ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِي وَرَحْمَتَكَ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ عَمَلِي فَقَالَهَا ، ثُمَّ قَالَ: عُدْ فَعَادَ ، ثُمَّ قَالَ: عُدْ فَعَادَ ، فَقَالَ: قُمْ فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ" [11] "
وفي هذا يقول بعضهم:
يا كَبير الذَّنب عفوُ الـ ـلَّه مِن ذنبك أكبرُ
أعظَمُ الأشياء في جَنب عفوِ الله يَصغُرُ [12]
وقال آخر [13] :
يا ربِّ إن عَظُمَت ذُنوني كَثرةً فلقَد علِمتُ بأنَّ عَفوكَ أعظَمُ
إن كان لا يرجوك إلا مُحسنٌ فمَن الذي يَرجو ويدعُو المُجرمُ
مالي إليك وسيلةٌ إلاَّ الرجا وجَميلُ عفوك ثم إنِّي مُسلِمُ
وقال آخر:
ولما قسى قلبي وضاقتْ مذاهبي جعلتُ رجائي نحو عفوك سُلمًا
تعاظمني ذنبي فلما قرنتُهُ بعفوكَ ربي كانَ عفوك أعضما
الفصل السادس
مغفرة الذنوب
التوحيدُ [14]
من أسباب المغفرة: التوحيدُ ، وهو السببُ الأعظم ، فمن فقده ، فَقَدَ المغفرة ، ومن جاء به ، فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة ، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } (48) سورة النساء.
فمن جاء مع التوحيد بقُراب الأرض - وهو ملؤها أو ما يُقارب ملأها - خطايا ، لقيه الله بقُرابها مغفرة ، لكنَّ هذا مع مشيئة الله - عز وجل - ، فإنْ شاء غَفَرَ له ، وإنْ شاء أخذه بذنوبه ، ثم كان عاقبته أنْ لا يُخلَّد في النار ، بل يخرج منها ، ثم يدخل الجنَّة .
قال بعضُهم: الموحِّد لا يُلقى في النار كما يُلقى الكفار ، ولا يَلقى فيها ما يَلقى الكفار ، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار ، فإنْ كمُلَ توحيدُ العبد وإخلاصُه لله فيه ، وقام بشروطه كلِّها بقلبه ولسانه وجوارحه ، أو بقلبه ولسانه عندَ الموت ، أوجبَ ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلِّها ، ومنعه من دخول النَّار بالكلية .
فمن تحقَّق بكلمة التوحيد قَلبُه ، أخرجت منه كلَّ ما سوى الله محبةً وتعظيمًا وإجلالًا ومهابةً ، وخشيةً ، ورجاءً وتوكُّلًا ، وحينئذ تُحْرَقُ ذنوبه وخطاياه كلُّها ولو كانت مِثلَ زبد البحر ، وربما قلبتها حسناتٍ ، فإنَّ هذا التوحيدَ هو الإكسيرُ الأعظمُ ، فلو وضع ذرَّة منها على جبالِ الذنوب والخطايا ، لقلبها حسناتٍ ،فعَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ لاَ يَسْبِقُهَا عَمَلٌ وَلاَ تَتْرُكُ ذَنْبًا » [15]
( لا يسبقها عمل ) أي في الفضل . أي هي أفضل الأعمال البدنية . وأما التصديق فهو من عمل القلب .
وعَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادٍ، حَدَّثَنِى أَبِى شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ حَاضِرٌ يُصَدِّقُهُ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ غَرِيبٌ، يَعْنِى أَهْلَ الْكِتَابِ، فَقُلْنَا: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَمَرَ بِغَلْقِ الْبَابِ، وَقَالَ: ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ وَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَرَفَعْنَا أَيْدِيَنَا سَاعَةً، ثُمَّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ بَعَثْتَنِى بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَأَمَرْتَنِى بِهَا، وَوَعَدْتَنِى عَلَيْهَا الْجَنَّةَ، وَإِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ. [16]
وعَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: حَدَّثَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أَنَّهُ قَالَ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، أَوْ أَزِيدُ ، وَالسَّيِّئَةُ وَاحِدَةٌ ، أَوْ أَغْفِرُهَا ، وَلَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا مَا لَمْ تُشْرِكٍ بِي ، لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً" [17] "
وعن أَنَس قَالَ: ذُكِرَ لِى أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِمُعَاذٍ: « مَنْ لَقِىَ اللَّهَ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ » . قَالَ أَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ: « لاَ ، إِنِّى أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا » [18] .
وعَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « مَنْ لَقِىَ اللَّهَ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارِ » [19]
وعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيَّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُول: قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي ، غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي ، غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا ، لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً. [20]
وعن عَطَاءَ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي ذَرٍّ فِي رِجَالٍ مِنْ أَسْلَمَ ، فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ ، فَسَأَلَهُمْ أَبُو ذَرٍّ مَا جَاءَ بِكُمْ ؟ قَالُوا: جِئْنَاكَ لِنُسْلِمَ عَلَيْكَ وَنَسْمَعَ مِنْكَ ، قَالَ: أَفَلا أُبَشِّرُكُمْ ؟ قَالُوا: بَلَى ، قَالَ: مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا غُفِرَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ مِلْءُ الأَرْضِ ذَنُوبًا ، فَقَالَ الْجُهَنِيُّ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَسَبَّحَ أَبُو ذَرٍّ ، ثُمَّ قَالَ: أَوَ يَنْبَغِي لامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا لَمْ يَقُلْ ، ثُمَّ قَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَنَهَضَ. [21]
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:ابْنَ آدَمَ , إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ , وَلَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا لَقِيتُكَ عَلَى الأَرْضِ مَغْفِرَةً مَا لَمْ تُشْرِكْ بِي , وَلَوْ بَلَغَتْ خَطَايَاكَ عَنَانَ السَّمَاءِ , ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي لَغَفَرْتُ لَكَ [22] .
وعَنْ أبي ذر، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ، قَالَ:"قَالَ رَبُّكُمُ: ابْنَ آدَمَ إِنْ دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ ، ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تَلْقَنِي الْأَرْضِ خَطَايَا أَلْقَكَ مَغْفِرَةً ، بَعْدَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا ، ابْنَ آدَمَ إِنْ أَذْنَبْتَ حَتَّى تَبْلُغَ ذُنُوبُكَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَسْتَغْفِرُنِي ، أَغْفِرُ لَكَ وَلَا" [23] .
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةٍ ، فَأَصَابَ النَّاسَ مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ ، فَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي نَحْرِ بَعْضِ ظَهْرِهِمْ ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، فَكَيْفَ بِنَا إِذَا لَقِينَا عَدُوَّنَا جِيَاعًا رَجَّالَةً ؟ وَلَكِنْ إِنْ رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَدْعُوَ النَّاسَ بِبَقِيَّةِ أَزْوِدَتِهِمْ. فَجَاؤُوا بِهِ ، يَجِيءُ الرَّجُلُ بِالْحِفْنَةِ مِنَ الطَّعَامِ وَفَوْقَ ذَلِكَ ، وَكَانَ أَعْلاَهُمُ الَّذِي جَاءَ بِالصَّاعِ مِنَ التَّمْرِ ، فَجَمَعَهُ عَلَى نِطَعٍ ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ، فَمَا بَقِيَ فِي الْجَيْشِ وِعَاءٌ إِلاَّ مَمْلُوءٌ وَبَقِيَ مِثْلُهُ ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ ، وَأَشْهَدُ عِنْدَ اللهِ لاَ يَلْقَاهُ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ بِهِمَا إِلاَّ حَجَبَتَاهُ عَنِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [24] ."
وعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - شَيْخٌ كَبِيرٌ يَدَّعِمُ عَلَى عَصًا لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِى غَدَرَاتٍ وَفَجَرَاتٍ فَهَلْ يُغْفَرُ لِى؟ قَالَ:"أَلَسْتَ تَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ قَالَ: بَلَى، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ:"قَدْ غُفِرَ لَكَ غَدَرَاتُكَ وَفَجَرَاتُكَ. [25] .
وعن عبد الله بن عمرو قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَلَمْ يَضُرَّهُ مَعَهُ خَطِيئَةٌ ، كَمَا لَوْ لَقِيَهُ وَهُوَ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ مَعَهُ عَمَلٌ" [26] .
قال الشِّبلي: من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها ، فصار رمادًا تذروه الرياحُ ، ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها ، فصار ذهبًا أحمر يُنتفع به ، ومن ركن إلى الله ، أحرقه نورُ التوحيد ، فصار جوهرًا لا قيمة له ،إذا علِقت نارُ المحبة بالقلب أحرقت منه كلَّ ما سوى الربِّ - عز وجل - ، فطهُرَ القلبُ حينئذ من الأغيار ، وصلح عرشًا للتوحيد
غصَّنِي الشوقُ إليهم بريقي فَوَا حَريقي في الهوى وا حريقي
قَد رماني الحُبُّ في لُجِّ بَحرٍ فخُذوا باللهِ كفَّ الغريق
حلَّ عندي حُبُّكم في شِغافي حلَّ مِنِّي كُلَّ عَقدٍ وَثِيقِ
ــــــــــــــ
(1) - صحيح ابن حبان - (ج 3 / ص 149) (868) صحيح
(2) - الزُّهْدُ أَبِي دَاوُدَ (481 ) فيه لين
(3) - سنن الترمذى (3709 ) حسن
(4) - مسند أحمد (11432) وغاية المقصد في زوائد المسند (4678 ) صحيح
(5) - صحيح مسلم (7005 ) وصحيح البخارى (7505 )
(6) - صحيح ابن حبان - (ج 2 / ص 401) (633) صحيح
(7) - حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (84 ) حسن
(8) - رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مجمع الزوائد ( 11077 ) وفتح الباري لابن حجر - (ج 17 / ص 239) وسكت عليه (ضعيف)
(9) - سنن الدارمى (2844) حسن - القُراب: قراب الأرض أى بما يقارب ملأها
(10) - صحيح ابن حبان - (ج 3 / ص 177) (896) صحيح
(11) - المستدرك للحاكم (1993) حسن
(12) - انظر: ديوان أبي نؤاس: 620 .
(13) - انظر: ديوان أبي نؤاس: 618 .
(14) - انظر جامع العلوم والحكم محقق - (ج 44 / ص 18) فما بعدها
(15) - سنن ابن ماجه (3929 ) ضعيف
(16) - غاية المقصد في زوائد المسند (4582 ) ومسند أحمد (17586) حسن
(17) - المستدرك للحاكم (7605) صحيح
(18) - صحيح البخارى (129 )
(19) - صحيح مسلم (280 )
(20) - سنن الترمذى (3885 ) صحيح لغيره
(21) - مسند البزار (4046) صحيح
(22) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 10 / ص 165) (12177 ) صحيح لغيره
(23) - تهذيب الآثار للطبري (1940 ) صحيح لغيره - قُراب الأرض: ما يقارب ملأها - المبالاة: الاهتمام والاحتفال بالأمر
(24) - صحيح ابن حبان - (ج 1 / ص 454) (221) وغاية المقصد في زوائد المسند (17 ) حسن
(25) - مسند أحمد (19960) صحيح لغيره
(26) - تَهْذِيبُ الْآثَارِ لِلطَّبَرِيِّ (1938 ) صحيح لغيره