قال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (35) سورة الأحزاب
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا لاَ نُذْكَرُ فِى الْقُرْآنِ كَمَا يُذْكَرُ الرِّجَالُ، قَالَتْ فَلَمْ يَرُعْنِى مِنْهُ يَوْمًا إِلاَّ وَنِدَاؤُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ » . قَالَتْ وَأَنَا أُسَرِّحُ رَأْسِى فَلَفَفْتُ شَعْرِى ثُمَّ دَنَوْتُ مِنَ الْبَابِ فَجَعَلْتُ سَمْعِى عِنْدَ الْجَرِيدِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ ) » هَذِهِ الآيَةَ. (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) [1] .
وعَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ:أَتَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عُمَارَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَنْزِلُ الْقُرْآنُ إِلا فِي الرِّجَالِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ:"إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ" [الأحزاب آية 35] [2] .
وَقَدْ مَيَّزَ اللهُ تَعَالى بينَ الإِسلامِ وَالإِيمَانِ وَجَعَلَ الإِيمَانَ أَخَصَّ مِنَ الإِسْلامِ . وَقَالَ تَعَالى: { قَالتِ الأعرابُ آمَنَّا: قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِيْ قُلُوبِكُمْ . } وَجَاءَ فِي الصَّحِيحَين:"لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ"فَالزَّانِي حِينَ يَزْنِي تُنْتَزَعُ عَنْهُ صِفَةُ الإِيمَانِ ، وَلِكنَّهُ لا يُعْتَبَرُ كَافِرًا ، وَلا تُنْتَزَعُ عَنْهُ صِفَةُ الإِسلامِ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمينَ .
وَفِي هذهِ الآيةِ يَذْكُرُ اللهُ تَعَالى الصِّفَاتِ التِي يَسْتَحِقُّ بِها عِبَادَهُ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ، وَأَنْ يَمْحُو عَنْهُمْ زَلاَّتِهِمْ ، وَيَثُيِبَهُمْ بالنّعِيمِ المُقِيمِ ، وَهَذِهِ الأَوْصَافُ هِيََ:
-إِسْلاَمُ الظَّاهِرِ بالانْقِيَادِ لأَحْكَامِ الدِّينِ بِالقَوْلِ وَالعَمَلِ .
-إِسْلاَمُ البَاطِِ ( الإِيمَانُ ) بِالتَّصْدِيقِ التَّامِ والإِذْغَانِ لِمَا فَرَضَ الدِّينُ مِنْ أَحْكَامٍ .
-القُنُوتُ وَهُوَ دَوَامُ العَمَلِ فِي هُدُوءٍ وَطُمَأْنِينَةٍ .
-الصِّدْقُ فِي الأَقْوَالِ والأَعْمَالِ وَهُوَ عَلاَمَةٌ عَلى الإِيمانِ كَمَا أَنَّ الكَذِبَ عَلاَمَةٌ عَلَى النِّفَاقِ .
-الصَّبْرُ عَلَى المَكَارِهِ وَتَحَمُّلِ المَشَاقِّ في أَدَاءِ العِبَادَاتِ وَتَرْكِ الشَّهَوَاتِ .
-الخُشُوعُ والتَّواضُعُ لله تَعَالى بِالقَلْبِ والجَوَارِحِ ، ابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللهِ ، وَخَوْفَ عِقَابِهِ
-التَّصَدُّقُ بِالمَالِ والإِحْسَانُ إٍلى المُحْتَاجِينَ الذِينَ لاَ كَسْبَ لَهُمْ .
-الصَّوْمُ فإِنَّهُ مُعِينٌ عَلَى كَسْرِ حِدَّةِ الشَّهْوَةِ .
وهذه الصفات الكثيرة التي جمعت في هذه الآية تتعاون في تكوين النفس المسلمة . فهي الإسلام ، والإيمان ، والقنوت ، والصدق ، والصبر ، والخشوع ، والتصدق ، والصوم ، وحفظ الفروج ، وذكر الله كثيرًا . . ولكل منها قيمته في بناء الشخصية المسلمة .
والإسلام: الاستسلام ، والإيمان التصديق . وبينهما صلة وثيقة أو أن أحدهما هو الوجه الثاني للآخر . فالاستسلام إنما هو مقتضى التصديق . والتصديق الحق ينشأ عنه الاستسلام .
والقنوت: الطاعة الناشئة من الإسلام والإيمان ، عن رضى داخلي لا عن إكراه خارجي .
والصدق: هو الصفة التي يخرج من لا يتصف بها من صفوف الأمة المسلمة لقوله تعالى: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } فالكاذب مطرود من الصف . صف هذه الأمة الصادقة
والصبر: هو الصفة التي لا يستطيع المسلم حمل عقيدته والقيام بتكاليفها إلا بها . وهي تحتاج إلى الصبر في كل خطوة من خطواتها . الصبر على شهوات النفس ، وعلى مشاق الدعوة ، وعلى أذى الناس . وعلى التواء النفوس وضعفها وانحرافها وتلونها . وعلى الابتلاء والامتحان والفتنة . وعلى السراء والضراء ، والصبر على كلتيهما شاق عسر .
والخشوع: صفة القلب والجوارح ، الدالة على تأثر القلب بجلال الله ، واستشعار هيبته وتقواه .
والتصدق: وهو دلالة التطهر من شح النفس ، والشعور بمرحمة الناس ، والتكافل في الجماعة المسلمة . والوفاء بحق المال . وشكر المنعم على العطاء .
والصوم: والنص يجعله صفة من الصفات إشارة إلى اطراده وانتظامه . وهو استعلاء على الضرورات ، وصبر عن الحاجات الأولية للحياة ،وتقرير للإرادة , وتوكيد لغلبة الإنسان في هذا الكائن البشري على الحيوان .
وحفظ الفرج: وما فيه من تطهر , وضبط لأعنف ميل وأعمقه في تركيب كيان الإنسان , وسيطرة على الدفعة التي لا يسيطر عليها إلا تقي يدركه عون الله . وتنظيم للعلاقات , واستهداف لما هو أرفع من فورة اللحم والدم في التقاء الرجل والمرأة , وإخضاع هذا الالتقاء لشريعة الله , وللحكمة العليا من خلق الجنسين في عمارة الأرض وترقية الحياة .
وذكر الله كثيرا:وهو حلقة الاتصال بين نشاط الإنسان كله وعقيدته في الله . واستشعار القلب لله في كل لحظة ; فلا ينفصل بخاطر ولا حركة عن العروة الوثقى . وإشراق القلب ببشاشة الذكر , الذي يسكب فيه النور والحياة .
هؤلاء الذين تتجمع فيهم هذه الصفات , المتعاونة في بناء الشخصية المسلمة الكاملة . . هؤلاء (أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما) . .
وهكذا يعمم النص في الحديث عن صفة المسلم والمسلمة ومقومات شخصيتهما ,وتذكر المرأة في الآية بجانب الرجل كطرف من عمل الإسلام في رفع قيمة المرأة , وترقية النظرة إليها في المجتمع , وإعطائها مكانها إلى جانب الرجل فيما هما فيه سواء من العلاقة بالله ; ومن تكاليف هذه العقيدة في التطهر والعبادة والسلوك القويم في الحياة [3] . .
ــــــــــــــ
(1) - مسند أحمد ( 27334) صحيح
(2) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 18 / ص 209) (20575 ) صحيح لغيره
(3) - في ظلال القرآن - (ج 6 / ص 81)