كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ دُفِعَ إِلَى الْمِنْبَرِ ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِىِّ ، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَضَمَّهُ إِلَيْهِ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِىِّ ، الَّذِى يُسَكَّنُ ، قَالَ « كَانَتْ تَبْكِى عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا » . [1] .
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ لِى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ » . فَقُلْتُ نَعَمْ . قَالَ « إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ ، لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ، صَوْمُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ » . قُلْتُ فَإِنِّى أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ « فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى » [2] .
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أشفق على عبد الله بن عمرو ، ورحمه ، وأرشده إلى الصواب ، من هذا الفعل ، وفيه تصحيح للخطأ الذي وقع فيه هذا الصحابي الجليل ، قال النووي رحمه الله: « وحاصل الحديث بيان رفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمَّته ، وشفقته عليهم ، وإرشادهم إلى مصالحهم، وحثهم على ما يطيقون الدوام عليه» [3] .
فالداعية المخلص هو الذي تدفعه الشفقة ، والرحمة على المدعوين ، والخوف عليهم ، من عاقبة ذلك الخطأ إلى ملاحظتهم ، وتصحيح أخطائهم، وهذا ما فَعَلَه إمام الدعاة ، وقدوة المربيين محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وما ذلك إلا كما قال عنه سبحانه وتعالى واصفًا عبده ونبيه: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (61) سورة التوبة، وقال كذلك واصفًا خلقه العظيم ، وخصوصًا الرحمة {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة
وقد احتلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الخلق - الرحمة - المكانة العظيمة في قلوب أصحابه ، حتى فَدَوَهُ بالأموال والآباء والبنين ، بل تعدَّى ذلك الفداء ، حتى فدوه بأنفسهم رضوان الله
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (3584 )
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (1979 ) وصحيح مسلم- المكنز - (2793) - نفهت: كلَّت وتعبت -هجمت: ضعف بصرها
(3) - شرح صحيح مسلم للنووي: 3 / 225 و فتح الباري: 4 / 265 .