فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 322

فبعضُ الناس يُتقبّل منهم مالا يُتقبلُ من غيرهم؛لأن لهم مكانة ليست لغيرهم أو لأنَّ لهم سلطةً على المخطئ ليست لغيرهم،ومن أمثلة هذا الأبُ مع ابنه والمدرّس مع تلميذه والمحتسب مع من ينكر عليه، فليس الكبيرُ كالقرن والصغير، ولا القريب كالغريب، وليس صاحبُ السلطان كمن ليس له سلطة، والإدراكُ لهذه الفروق يؤدي بالمُصلح إلى وضع الأمور في نصابها وتقدير الأمور حقّ قدرها فلا يؤدي إنكاره أو تصحيحه إلى منكر أكبرَ أو خطأ أعظمَ، ومكانةُ المُنكِر وهيبته في نفس المخطئ مهمةٌ في تقدير درجة الإنكار وضبطِ معيار الشدّة واللين. ومن هذا نستفيد أمرين:

الأول: إنَّ على مَن آتاه الله مكانة أو سلطانا أن يسخّرَ ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الخلق وأنْ يدرك أنّ مسؤوليته عظيمةٌ لأنَّ الناس يتقبّلون منه أكثر مما يتقبّلون من غيره ـ غالبًا ـ ويتمكّن مما لا يتمكّنُ منه الآخرون.

ثانيا: إنّ على الآمر الناهي أن لا يُسيء التقدير فيضع نفسه في موضع أعلى مما هو عليه ويتصرّفَ بصفاتٍ شخصيةٍ لا يملكها لأن ذلك يؤدي إلى النفور والصدّ.

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفيدُ مما أعطاه الله من المكانة والمهابة بين الخلق في إنكاره وتعليمه وربما أتى بشيء لو فعله غيره ما وقع الموقع المناسب وفيما يلي مثال على ذلك:

عَنْ يَعِيشَ بْنِ طِهْفَةَ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ أبيه ، قَالَ: ضِفْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَنْ تَضَيَّفَهُ مِنَ الْمَسَاكِينِ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي اللَّيْلِ يَتَعَاهَدُ ضَيْفَهُ ، فَرَآنِي مُنْبَطِحًا عَلَى بَطْنِي فَرَكَضَنِي بِرِجْلِهِ ، وَقَالَ: لاَ تَضْطَجِعْ هَذِهِ الضِّجْعَةَ ، فَإِنَّهَا ضِجْعَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ عز وجل." [1] "

وعَنِ ابْنِ طِخْفَةَ الْغِفَارِيِّ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: ضَافَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعَ نَفَرٍ ، قَالَ: فَبِتْنَا عِنْدَهُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ اللَّيْلِ يَطَّلِعُ ، فَرَآهُ مُنْبَطِحًا عَلَى وَجْهِهِ ، فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ ، فَأَيْقَظَهُ ، فَقَالَ: هَذِهِ ضِجْعَةُ أَهْلِ النَّارِ." [2] "

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (7 / 794) (23615) 24014- حسن

(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (5 / 352) (15545) 15630- حسن لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت