وعينُ الرضا عن كلّ عيب كليلةٌ*** ولكنّ عين السُّخط تُبْدي المساويا
وهذا ينعكسُ على تفسير الأفعال أيضا فقد يصدر الفعل من شخص محبوب فيُحملُ على محمل ويصدر مثله من شخص آخر فيُحمل على محمل آخر.
وكلُّ ما سبق مقيدٌ بما إذا استوت الأحوال وإلا فقد يكون هناك تفاوت في الاعتبارات كما سيأتي ذكره.
من المعلوم أن من قواعد الشريعة تحمّل أدنى المفسدتين لدرء أعلاهما فقد يسكتُ الداعي عن خطأ لئلا يؤدي الأمر إلى وقوع خطأ أعظم.
لقد سكت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المنافقين ولم يقتلهم مع ثبوت كفرهم وصبرَ على أذاهم لئلا يقول الناس:محمدٌ يقتل أصحابه خصوصا مع خفاء أمرهم، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ قَالَ: فَسَمِعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذَاكَ ، فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ، رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ ، فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبَيِّ ابْنُ سَلُولٍ: قَدْ فَعَلُوهَا ، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ ، فَقَالَ: دَعْهُ ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" [1] "
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (3518 ) وصحيح مسلم- المكنز - (6748) وصحيح ابن حبان - (13 / 330) (5990)
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ يُرِيدُ أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِي هَذَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: فَإِنَّهَا ذَمِيمَةٌ ، وَمَا يُشْبِهُهَا.
وقال النووي:"قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( دَعْهُ لَا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُل أَصْحَابه ) فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ الْحِلْم ، وَفِيهِ تَرْك بَعْض الْأُمُور الْمُخْتَارَة ، وَالصَّبْر عَلَى بَعْض الْمَفَاسِد خَوْفًا مِنْ أَنْ تَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ ، وَكَانَ - صلى الله عليه وسلم - يَتَأَلَّف النَّاس ، وَيَصْبِر عَلَى جَفَاء الْأَعْرَاب وَالْمُنَافِقِينَ وَغَيْرهمْ لِتَقْوَى شَوْكَة الْمُسْلِمِينَ ، وَتَتِمّ دَعْوَة الْإِسْلَام ، وَيَتَمَكَّن الْإِيمَان مِنْ قُلُوب الْمُؤَلَّفَة ، وَيَرْغَب غَيْرهمْ فِي الْإِسْلَام ، وَكَانَ يُعْطِيهِمْ الْأَمْوَال الْجَزِيلَة لِذَلِكَ ، وَلَمْ يَقْتُل الْمُنَافِقِينَ لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَلِإِظْهَارِهِمْ الْإِسْلَام ، وَقَدْ أُمِرَ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْدُودِينَ فِي أَصْحَابه - صلى الله عليه وسلم - ، وَيُجَاهِدُونَ مَعَهُ إِمَّا حَمِيَّة ، وَإِمَّا لِطَلَبِ دُنْيَا ، أَوْ عَصَبِيَّة لِمَنْ مَعَهُ مِنْ عَشَائِرهمْ . قَالَ الْقَاضِي: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ بَقِيَ حُكْم الْإِغْضَاء عَنْهُمْ ، وَتَرْك قِتَالهمْ ، أَوْ نُسِخَ ذَلِكَ عِنْد ظُهُور الْإِسْلَام ، وَنُزُول قَوْله تَعَالَى: { جَاهِدْ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ } وَأَنَّهَا نَاسِخَة لِمَا قَبْلهَا: وَقِيلَ: قَوْل ثَالِث أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ الْعَفْو عَنْهُمْ مَا لَمْ يُظْهِرُوا نِفَاقهمْ ، فَإِذَا أَظْهَرُوهُ قُتِلُوا ."شرح النووي على مسلم - (8 / 392)