إن الغضب على المخطئ يعدُّ نوعًا من أنواع تصحيح الخطأ ، إذ أن هناك صنفًا من الناس من مرتكبي الأخطاء لا يرتدعون عن أخطائهم إلا بالمواجهة بالغضب ، والشدة التي تبيّن لهم أنهم قد جانبوا الصواب ، ووقعوا في الأخطاء ، وبالتالي ينقادون للتصحيح ، وقد جاءت نصوص كثيرة في السنة النبوية تبّين أهمية هذا الجانب - الغضب على المخطئ - سواءً ما كان يختصّ بالفرد أم الجماعة ، والغضب لتصحيح الخطأ هو من الغضب المحمود والممدوح ، إذ أن الدافع له هو إرادة التصحيح ، إذ الأخطاء منها ما يكون انتهاكًا لمحارم الله ، فكان بذلك - الغضب - وسيلة المرء لتعظيم حرمات الله تبارك وتعالى ، وفي ذلك يقول سبحانه: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ..} (30) سورة الحج
وهذا ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقابل به المخطئين ، ويصحِّح به الأخطاء ، فعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ضَرَبَ خَادِمًا قَطُّ ، وَلاَ ضَرَبَ امْرَأَةً لَهُ قَطُّ ، وَلاَ ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ ، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَلاَ نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ ، فَيَنْتَقِمُهُ مِنْ صَاحِبِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ ، انْتَقَمَ لَهُ ، وَلاَ عَرَضَ لَهُ أَمْرَانِ ، إِلاَّ أَخَذَ بِالَّذِي هُوَ أَيْسَرُ ، حَتَّى يَكُونَ إِثْمًا ، فَإِذَا كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ." [1] "
وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِى خِدْرِهَا ، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِى وَجْهِهِ [2] .
ومعنى ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى ما يكرهُه من الأخطاء فإنه يتغّير وجهه ، ويغضب من ذلك - صلى الله عليه وسلم - ، وما ذلك إلا أن ما يراه خطأ يجب تصحيحه .
وقد كثُرت الأدلة في هذا الموضوع مما يوحي بأن الغضب في سبيل الله ممدوح غير مذموم ، ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - يغضب لله حتى من أهله ، ولا أدلَّ على ذلك من قصة النمرقة التي كانت
(1) - صحيح ابن حبان - (2 / 240) (488) صحيح
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (6102 )