وأسلوب الهجر أسلوب تأثير بيِّن ، وواضح في نفس المخطئ ، وخصوصًا إذا أحدث المخطئ خطأً عظيمًا ، وارتكب ذنبًا جسيمًا ، وذلك لِمَا للهجر من أثر على نفسه ، حيث يسبب له هذا الهجر ابتعادًا عن الناس ، فلا يجالسونه ، ولا يبتاعون منه ولا يشترون ، بل وقد يحذِّرون منه ، فتزداد عزلته عنهم ، ولذا فلا بد من هذا الهجر ، لأن من الناس من لا ينفع معه إلا هذا الأسلوب ، وبالتالي فلا يُصار إليه إلا بعد أن يظهر خطؤه ، وتبين له زلته ، ويوعظ بالموعظة الحسنة، فإذا لم يُجْدِ ذلك، ووجد المصحِّح أن الهجر هو علاجه فيُصار إليه.
والْهَجْرُ الشَّرْعِيُّ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا بِمَعْنَى التَّرْكِ لِلْمُنْكَرَاتِ . وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا .
فَالْأَوَّلُ: هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (68) سورة الأنعام . وقَوْله تَعَالَى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} (140) سورة النساء . فَهَذَا يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ الْمُنْكَرَاتِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِثْلَ قَوْمٍ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ يَجْلِسُ عِنْدَهُمْ . وَقَوْمٌ دُعُوا إلَى وَلِيمَةٍ فِيهَا خَمْرٌ وَزَمْرٌ لَا يُجِيبُ دَعْوَتَهُمْ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ . بِخِلَافِ مَنْ حَضَرَ عِنْدَهُمْ لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ أَوْ حَضَرَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ . وَلِهَذَا يُقَالُ: حَاضِرُ الْمُنْكَرِ كَفَاعِلِهِ [1]
والأصل في الهجر أنه لا يجوز ولا يُصار إليه ، فعَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا ، وَخَيْرُهُمَا الَّذِى يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ » [2] . .
« قال العلماء: في هذا الحديث . تحريم الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال ، وإباحتها في الثلاث الأُول بنصّ الحديث ، والثاني بمفهومه .
(1) - مجموع الفتاوى لابن تيمية - (28 / 203)
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (6077 )