قال ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله (بالنساء خيرا) كأن فيه رمزا إلى التقويم برفق بحيث لا يُبالغ فيه فيكسر ولا يتركه فيستمرُّ على عوجه.. فيؤخذ منه أن لا يتركها على الاعوجاج إذا تعدّت ما طُبعت عليه من النقص إلى تعاطي المعصية بمباشرتها، أو ترك الواجب. وإنما المرادُ أن يتركها على اعوجاجها في الأمور المباحة. وفي الحديث المداراة لاستمالة النفوس وتألف القلوب. وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهن، والصبر على عوجهن، وأن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن، مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه فكأنه قال: الاستمتاع بها لا يتمّ إلا بالصبر عليها." [1] "
فإذا كان الدِّينُ أغلى عندنا من ذواتنا وجب علينا أن ننتصرَ له ونحامي عنه ونغضب له أكثر مما نغضبُ لأنفسنا وننتصر لها. وإنَّ مِن ضعف الحمية الدينية أن ترى الشخص يغضب لنفسه إذا سبّه أحدٌ ولا يغضب لدين الله إذا اعتدى على جنابه أحدٌ أو تراه يدافعُ باستحياء وضعف.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسامحُ من أخطأ عليه كثيرا وخصوصا جُفاة الأعراب تأليفا لقلوبهم فقد جاء في صحيح البخاري رحمه الله تعالى فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيُّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيُّ فَجَبَذَهُ حَتَّى رَأَيْتُ صَفْحَهُ أَوْ صَفْحَةَ عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَعْطِنِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ فَضَحِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ." [2] "
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ ، وَأَعْرَابِيٌّ يَسْأَلُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَعْضِ حُجَرِهِ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً ، حَتَّى انْشَقَّ الْبُرْدُ ،
(1) - فتح الباري 11/163 وفتح الباري لابن حجر - (14 / 476) موقع الإسلام ودليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - (ج 2 / ص 385) و شرح ابن بطال - (13 / 292)
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (5809 ) والفوائد لتمام 414 - (2 / 253) (1403) - جبذ: جذب