الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ ، فَيَأْتِى يَقُولُ هَذَا لَكَ وَهَذَا لِى . فَهَلاَّ جَلَسَ فِى بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ يَأْتِى بِشَىْءٍ إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ » . ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَىْ إِبْطَيْهِ « أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ » ثَلاَثًا [1] .
ففي هذا الحديث « أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعنِّف ويوبِّخ كل من سوَّلت له نفسه أن يُقبل على مثل هذا العمل المحرّم ، هكذا بدون أن يتعرّض لشخص ابن اللّتبية، فلم يسمه باسمه ، ولم يشهِّر به ، محافظة على إحساسه ومراعاة لشعوره ، مما يؤذيه نفسيًا أو يحطَّ من قدره ، أو تلحق به إهانة قد لا تمَّحي ، وهذا كله من جمِّ أدبه - صلى الله عليه وسلم - ، وحسن معاملته لأصحابه » [2] ، وعنايته بتصحيح الأخطاء بهذا الأسلوب الرائع - وهو أسلوب التعريض والبيان العام -
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أوتي خلقًا عظيمًا حتى في تصحيحه للخطأ البيّن فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ بِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَا يكَادُ يُواجِهُ أَحَدًا بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ ، فَلَمَّا قَامَ قَالَ لِلْقَوْمِ:"لَوْ قُلْتُمْ لَهُ يَدَعُ هَذِهِ الصُّفْرَةَ" [3] .
هكذا كان خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وصدق الله {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (4) سورة القلم
والأمثلة كثيرة ويجمعها عدم فضح صاحب الخطأ. وأسلوب التعريض بالمخطئ وعدم مواجهته له فوائد منها:
1ـ تجنّب ردّ الفعل السلبي للمخطئ وإبعاده عن تزيين الشيطان له بالانتقام الشخصي والانتصار للنفس
2ـ أنه أكثر قبولا وتأثيرا في النفس
3ـ أنه أستر للمخطئ بين الناس
4ـ ازدياد منزلة المربي وزيادة المحبة للناصح
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (7174 )
الخوار: صوت البقرة -الرغاء: صوت الإبل -العفرة: بياض مشوب بالسمرة -تيعر: تصيح وتصوت صوتا شديدا
(2) - تربية النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: خالد بن عبد الله القرشي ص 514 .
(3) - الشَّمَائِلُ الْمُحَمَّدِيَّةُ لِلتِّرْمِذِيِّ (341 ) صحيح