قَالَ: وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي ، تُخْبِرُنِي بِأَمْرِي ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَهُوَ يَسْتَنِيرُ كَاسْتِنَارِ الْقَمَرِ ، وَكَانَ إِذَا سُرَّ بِالأَمْرِ اسْتَنَارَ ، فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ ، أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ أَتَى عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ ، أَمِنْ عِنْدِ اللهِ أُمْ مِنْ عِنْدِكَ ؟ قَالَ: بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، ثُمَّ تَلاَ عَلَيْهِمْ {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ} [التوبة] ، حَتَّى بَلَغَ {هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة] ، قَالَ: وَفِينَا نَزَلَتِ {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة] ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنِّي لاَ أُحَدِّثُ إِلاَّ صِدْقًا ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً إِلَى اللهِ ، وَإِلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ، قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ ، قَالَ: فَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ الإِسْلاَمِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ صَدَقْتُهُ أَنَا وَصَاحِبَايَ ، أَنْ لاَ نَكُونَ كَذَبْنَا فَهَلَكْنَا كَمَا هَلَكُوا ، وَمَا تَعَمَّدْتُ لِكَذْبَةٍ بَعْدُ ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِيَ اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ." [1] "
وقد أثّر فيهم هذا الهجر حتى دعاهم إلى التوبة النصوح ثم علم الله منهم ذلك فتاب عليهم.
وفي قصة كعب من الفوائد جواز طلب أموال الكفار من ذوي الحرب، وجواز الغزو في الشهر الحرام، والتصريح بجهة الغزو إذا لم تقتض المصلحة ستره، وأن الإمام إذا استنفر الجيش عموما لزمهم النفير ولحق اللوم بكل فرد فرد أن لو تخلف. وفيها أن العاجز عن الخروج بنفسه أو بماله لا لوم عليه، واستخلاف من يقوم مقام الإمام على أهله والضعفة، وفيها ترك قتل المنافقين، ويستنبط منه ترك قتل الزنديق إذا أظهر التوبة. وأجاب من أجازه بأن الترك كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمصلحة التأليف على الإسلام. وفيها عظم أمر المعصية، وقد نبه الحسن البصري على ذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم عنه قال: يا سبحان الله ما
(1) - صحيح ابن حبان - (8 / 156) (3370) وصحيح البخارى- المكنز - (4418) وصحيح مسلم- المكنز - (7192 )
بثى: حزنى الشديد -التنور: الفرن -سجر: أحرق -أصعر: أميل -العطف: الجانب -المغموص: المتهم بالنفاق -المفاز: الصحراء البعيدة عن العمار والماء تفاؤلا من الفوز بالنجاة منها -استلبث: أبطأ