من صدق بالتأديب الذي ظهرت فائدته عن قرب، وأخَّر من كذب للعقاب الطويل، وفي الحديث الصحيح"إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد به شرا أمسك عنه عقوبته فيرد القيامة بذنوبه"قيل وإنما غلظ في حق هؤلاء الثلاثة لأنهم تركوا الواجب عليهم من غير عذر، ويدل عليه قوله تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ} وقول الأنصار:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
وفيها تبريد حرِّ المصيبة بالتأسي بالنظير، وفيها عِظمُ مقدار الصدق في القول والفعل، وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به، وأن من عوقب بالهجر يعذر في التخلف عن صلاة الجماعة لأن مرارة وهلالا لم يخرجا من بيوتهما تلك المدة. وفيها سقوط ردِّ السلام على المهجور عمن سلم عليه إذ لو كان واجبا لم يقل كعب: هل حرك شفتيه بردِّ السلام. وفيها جواز دخول المرء دار جاره وصديقه بغير إذنه ومن غير الباب إذا علم رضاه. وفيها أن قول المرء:"الله ورسوله أعلم"ليس بخطاب ولا كلام ولا يحنث به من حلف أن لا يكلم الآخر إذا لم ينو به مكالمته وإنما قال أبو قتادة ذلك لما ألح عليه كعب، وإلا فقد تقدم أن رسول ملك غسان لما سأل عن كعب جعل الناس يشيرون له إلى كعب ولا يتكلمون بقولهم مثلا هذا كعب مبالغة في هجره والإعراض عنه، وفيها أن مسارقة النظر في الصلاة لا تقدح في صحتها، وإيثار طاعة الرسول على مودة القريب، وخدمة المرأة زوجها، والاحتياط لمجانبة ما يخشى الوقوع فيه، وجواز تحريق ما فيه اسم الله للمصلحة. وفيها مشروعية سجود الشكر والاستباق إلى البشارة بالخير وإعطاء البشير أنفس ما يحضر الذي يأتيه بالبشارة، وتهنئة من تجددت له نعمة، والقيام إليه إذا أقبل، واجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة، وسروره بما يسرُّ أتباعه، ومشروعية العارية، ومصافحة القادم والقيام له، والتزام المداومة على الخير الذي ينتفع به، واستحباب الصدقة عند التوبة، وأن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراج جميعه." [1] "
(1) - فتح الباري لابن حجر - (8 / 123)