درهم نفقة للجند، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، وافتتح"الأفشين""البذ"مدينة"بابك"واستباح ما فيها وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان وذلك بعد محاصرة وحروب شديدة وقتالٍ شديد وجهدٍ جهيد ثم بعد ذلك أمسكوا"ببابك"بعد فراره من دار ملكه.
وقد كان المعتصم شديد العناية بأمر هذا اللعين الذي قتل من المسلمين في مدة ظهوره وهي عشرون سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألف وخمسمائة إنسان.
قاله ابن جرس وأسر خلقًا لا يحصون وكان من جملة من استنقذه"الأفشين"من أسره نحوًا من سبعة آلاف وستمائة إنسان. أراح الله المسلمين من شره بعد ما افتتن به خلق كثير وجم خفير من العوام الطغام (1) .
"ولقد توج المعتصم"الأفشين" (2) وقلده وشاحين من جوهر، وأطلق له عشرين ألف درهم، وكتب له بولاية "السند" وأمر الشعراء أن يدخلوا عليه ويمدحوه على ما فعل من الخير للمسلمين وعلى تخريبه بلاد بابك التي يقال لها"البذ"وتركه إياها قيعانا خرابًا، فقالوا في ذلك فأحسنوا وكان من جملتهم أبو تمام الطائي قال:"
بذ الجلاد البذُ فهو دفينُ ... ما إن بها إلا الوحوش قطين
لم يقر هذا السيف هذا الصبر ... في هيجاء إلا عزّ هذا الدينُ
قد كان عذرة سؤددٍ فافتضها ... بالسيف فحل المشرق الأفشين
فأعادها تعوي الثعالب وسطها ... ولقد ترى بالأمس وهي عرينُ
هطلت عليه من جماجم أهلها ... ديم إمارتها طلىً وشؤون
كانت من المهجات قبل مفازة ... عسرًا فأضحت وهي منه معين
"في هذه السنة أوقع ملك توفيل بن ميخائيل بأهل سلطته من المسلمين وما والاها ملحمة عظيمة، قتل فيها خلقا كثيرًا من المسلمين، وأسر ما لا يحصون كثرة، وكان من"
(1) "البداية والنهاية" (ج 10/295) .
(2) كان مجوسيًا فكتم مجوسيته أشتهر أمره وافتضح بعد ذلك.