فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 133

وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، وصحّ عنه صلى الله عليه وسلم بقوله «الجماعة رحمة والفرقة عذاب» .

و (الأمور) التي تتنازع فيها الأمة في الأصول والفروع، إذا لم ترد إلى الله والرسول، لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة من أمرهم، فإن رحمهم الله أقر بعضهم بعضًا، ولم يبغ بعضهم على بعض، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيقر بعضهم بعضًا، ولا يعتدي ولا يُعتدى عليه، وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم، فبغى بعضهم على بعض، إما بالقول، مثل تكفيره وتفسيقه، وإما بالفعل، مثل حبسه وضربه وقتله. والذين امتحنوا الناس بخلق القرآن، كانوا من هؤلاء، ابتدعوا بدعة وكفّروا من خالفهم فيها، واستحلوا منع حقه وعقوبته.

فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول: إما عادلون وإما ظالمون، فالعادل فيهم: الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء، ولا يظلم غيره، والظالم: الذي يعتدي على غيره. وأكثرهم إنما يظلمون مع علمهم بأنهم يظلمون، كما قال تعالى: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم} . وإلا فلو سلكوا ما علموه من العدل، أقرّ بعضهم بعضًا، كالمقلدين لأئمة العلم، الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل، فجعلوا أئمتهم نوابًا عن الرسول، وقالوا: هذا غاية ما قدرنا عليه، فالعادل منهم لا يظلم الآخر، ولا يعتدي عليه بقول ولا فعل، مثل أن يدعي أن قول مقلده هو الصحيح بلا حجة يبديها، ويذم من خالفه، مع أنه معذور.

ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد؛ واختلاف التنوع على وجوه: منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقًا مشروعًا، ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، ومحل سجود السهو، ونحو ذلك، مما قد شرع جميعه، وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل. ثم تجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك! وهذا عين المحرم، وكذا تجد كثيرًا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع، والإعراض عن الآخر والنهي عنه ما دخل به فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه ما يكون كل من القولين هو في معنى القول الآخر، لكن العبارتان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت