مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصيغ الأدلة، والتعبير عن المسميات، ونحو ذلك، ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى والاعتداء على قائلها! ونحو ذلك.
وأما اختلاف التضاد، فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول وإما في الفروع، عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد، والخطب في هذا أشد، لأن القولين يتنافيان، لكن نجد كثيرًا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما، أو معه دليل يقتضي حقًا ما، فيرد الحق مع الباطل، حتى يبقى هذا مبطلًا في البعض، كما كان الأول مبطلًا في الأصل، وهذا يجري كثيرًا لأهل السنة، وأما أهل البدعة، فالأمر فيهم ظاهر، ومن جعل الله له هداية ونورًا رأى من هذا ما تبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا، لكن نور على نور.
وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول، وكذلك إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء، لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك، ولذلك جعل الله مصدره البغي في قوله: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم} . لأن البغي مجاوزة الحد .. [من شرح الطحاوية لابن أبي العز، باختصار]
(وباب الفساد الذي وقع في هذه الأمة، بل وفي غيرها، هو التفرق والاختلاف، فإنه وقع بين أمرائها وعلمائها من ملوكها ومشايخها وغيرهم من ذلك ما الله به عليم) [مجموع الفتاوى:22/ 357] .
فأهل السنة والجماعة أهل الحديث والأثر أتباع السلف الصالح يرون الجماعة حق أَحَقَّهُ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والجماعة صواب في الالتزام بها والتمسك بها، وخلافها باطل وضلال، ويرون الفرقة بأنواعها زيغًا عن الصراط، وعذابًا.
إن أعظم ما حصل به الزيغ والدَّمْ في الأمة وإضعافها، إنما حصل من تَرْك الجماعة والأخْذ بالفُرْقَةْ واستحسانها.
كما أنَّ الفِرَق الضالة رأت الفُرْقَةْ خيرًا وطلبتها ورَأَتْ الجماعة ضعفًا فنبذتها.