فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 133

من معاني الجماعة الاجتماع على الدين الواحد، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} ، وهذا الاجتماع في الدين هو أَعْظَمُ أَمْرٍ لأجله بُعِثَتْ الرسل وأُنْزِلَتْ الكتب، وهو الذي من أجله يجاهد المجاهد ويدعو الدَّاعِي.

كما من معانيها اجتماع الكلمة بأنْ يجتمعوا وأنْ لا يكون بأْسُهُم بينهم، وأن لا يتفرَّقُوا بأنواع التَّفَرُّقْ، وهذا النوع وسيلة لتحقيق الأوَّلْ.

والنصوص تشمل هذا وهذا، والأمران مترابطان، وإذا اجتمع الناس في دينهم آل الأمر إلى اجتماعهم في أبدانهم، والجماعة مطلوبَةٌ في هذا وهذا ومأمورٌ بها.

والتوازن فيما بينهما هو سبيل أهل العلم، فإنَّ الناس في هذين الأمرين على ثلاثة أنحاء:

الفئة الأولى: من قَدَّمَ تحقيق المطالب الدينية ورَعَاهُ حتى ولو حصل خلل في الاجتماع في الأبدان- بحسب اعتقادهم -.

الفئة الثانية: من تساهلت فرَأَتْ المحافظة على الجماعة في الأبدان والدنيا سبيلًا لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة الواجبة وإعلان الحق بضوابطه الشرعية في أمر الجماعة.

الفئة الثالثة: هم الراسخون في العلم ومن تَوَلَّاهُ الله عز وجل بتوفيقه، فإنهم أخذوا بهذا وهذا، فدعوا إلى الاجتماع في الدين وتحقيق ذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبنشر العلم النافع والدعوة إلى ذلك وبالنصيحة بطرقها الشرعية، ولم يروا ذلك مُخَالِفًَا لما أوجب الله عز وجل من الاجتماع في الأبدان والدنيا، فوازنوا بين هذا وهذا وأَجْرَوا الحكمة في هذا وهذا.

والشذوذ: هو الانفراد، ومعناه في العلم والعقيدة، الإنفراد بأشياء ليس عليها الدليل ولم تكن عليها الجماعة الأولى.

والشذوذ مرتبتان: الأولى: أن ينفرد ويَشُذْ في أصل من الأصول.

الثانية: أن يوافق في الأصول؛ لكن يُخَالِفُ في فرعٍ لأصل أو في فَرْدٍ من أفراد ذلك الأصل.

ولهذا قال الأئمة: (إنَّ أعظم ما أمر الله عز وجل به الاجتماع، وأعظم ما نهى الله عز وجل عنه الافتراق) ؛ لأنَّ حقيقة الاجتماع اجتماع في الدين وفي الأبدان وبهما صلاح العباد، وأعظم المصائب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت