الافتراق وبهما يحصل البلاء كله، وكل خير في الجماعة والسنة، وكل شر في الشذوذ والخلاف والفُرقة. [للتوسع انظر شروح الطحاوية] .
قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} .
(وإقامة الشيء: جعله قائما وهي استعارة للحرص على العمل به، وأعقب الأمر بإقامة الدين بالنهي عن التفرق في الدين.
والتفرق: ضد التجمع وأصله: تباعد الذوات أي اتساع المسافة بينها، ويستعار كثيرا لقوة الاختلاف في الأحوال والآراء كما هنا وهو يشمل التفرق بين الأمة بالإيمان بالرسول والكفر به أي لا تختلفوا على أنبيائكم ويشمل التفرق بين الذين آمنوا بأن يكونوا نحلا وأحزابا وذلك اختلاف الأمة في أمور دينها أي في أصوله وقواعده ومقاصده فإن الاختلاف في الأصول يفضي إلى تعطيل بعضها فينخرم بعض أساس الدين.
والمراد: ولا تتفرقوا في إقامته بأن ينشط بعضهم لإقامته ويتخاذل البعض إذ بدون الاتفاق على إقامة الدين يضطرب أمره، ووجه ذلك أن تأثير النفوس إذا اتفقت يتوارد على قصد واحد فيقوى ذلك التأثير ويسرع في حصول الأثر إذ يصير كل فرد من الأمة معينا للآخر فيسهل مقصدهم من إقامة دينهم، أما إذا حصل التفرق والاختلاف فذلك مفض إلى ضياع أمور الدين في خلال ذلك الاختلاف ثم هو لا يلبث أن يلقي بالأمة إلى العداوة بينها وقد يجرهم إلى أن يتربص بعضهم ببعض الدوائر ولذلك قال الله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} [التحرير والتنوير] .
قال ابن باديس في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} : (الأمر الجامع هو الحادث الذي يتطلب الاجتماع بطبيعته فيجمع الإمام الناس من أجله، من ذوي الرأي والمعرفة بمثله، والخبرة والتجربة فيه، من كل من يعم نفعه، أو ضرره من أمور السلم والحرب وشؤون الحياة والاجتماع، ليتشاوروا فيما بينهم ويستضيئوا بعضهم لرأي بعض.
فمن أحكام الآية الكريمة، أن على أئمة المسلمين وذوي القيادة فيهم، إذا نزل بهم أمر هام أن يجمعوا