فهرس الكتاب
جماعة المسلمين الذين يرجى منهم الرأي والعمل فيما نزل، فلا يجوز لهم أن يهملوا أمرهم، ولا أن يستبدوا عليهم، وأن على المسلمين أن يجتمعوا إليهم ويكونوا معهم، يظاهرونهم ويؤيدونهم وينصحون لهم، فلا يجوز لهم أن يتخلفوا عنهم، ولا أن يخذلوهم.
إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله، ورسوله، إذا كانت لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كانت لهم جماعة منظمة تفكر، وتدبر، وتتشاور، وتتآزر وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرة متساندة في العمل عن فكر وعزيمة. ولهذا قرن الله في هذه الآية بين الإيمان بالله ورسوله والحديث عن الجماعة وما يتعلق بالاجتماع، فيرشدنا هذا إلى خطر أمر الاجتماع، ونظامه، ولزوم الحرص، والمحافظة عليه، كأصل لازم للقيام بمقتضيات الإيمان وحفظ عمود الإسلام.
ما أصيب المسلمون في أعظم ما أصيبوا به إلاَّ بإهمالهم لأمر الاجتماع ونظامه، إمَّا باستبداد أئمتهم وقادتهم وإما بانتشار جماعتهم بضعف روح الدين فيهم وجهلهم بما يفرضه عليهم، وما ذلك إلا من سكوت علمائهم وقعودهم عن القيام بواجبهم في مقاومة المستبدين، وتعليم الجاهلين، وبث روح الإسلام الإنساني السامي في المسلمين. فعلى أهل العلم ـ وهم المسؤولون عن المسلمين بما لهم من إرث النبوة فيهم ـ أن يقوموا بما أرشدت إليه هذه الآية الكريمة، فينفخوا في المسلمين روح الإجتماع الشورى، في كل ما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم، حتى لا يستبد بهم مستبد، ولا يتخلف منهم متوان، وحتى يظهر الخاذل لهم، ممن ينتسب إليهم فينبذ ويطرح ويستغني عنه بالله وبالمؤمنين.
هنالك المصلحة العامة وهنالك المصلحة الخاصة، ومحال أن تساوي هذه بتلك، أنظر إلى الذكر الحكيم كيف عبر عن الأولى بالأمر الجامع، وفي هذا ما فيه من تفخيم، وعبر عن التالية ببعض الشأن وفي هذا ما فيه من التحقير والتقليل. وفي قرنها بالاستغفار تنبيه على ترجيح الأولى على الثانية وأنها ما كانت تعتبر إلا على وجه الرخصة والاستغراق في الاهتمام والتدبير للمصلحة العامة أحق وأولى.
لنجعل المصلحة العامة غايتنا، والمقدمة عندنا حتى لا يكون ـ إن شاء الله ـ في مصالحنا الخاصة ما يصرفنا أو يشغلنا عنها، راجين من الله تعالى أن يعيننا على ما قصدنا وأن يوفقنا إلى استعمال كل مصلحة خاصة لنا في مصلحة عامة لنا ولإخواننا إنه نعم الموفق ونعم المعين).
ولأن الفُرْقَة والخلاف يحصل فيه التعدي في كثيرٍ من الأحيان، ننصح بقول الله تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي