فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 133

وَالْمُخْتَارُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ; فَالْوَاجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ تَفْوِيضُ ذَلِكَ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِلَيْهِمْ دُونُ غَيْرِهِمْ مِنْ بَعْدِهِ; لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ تُوَكَّلُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْلَمَ بِهَذَا التَّفْوِيضِ شَيْئًا يَسْتَنْبِطُهُ مِنْهُمْ فَلْيَقِفْ عِنْدَهُ، وَلَا يَتَعَدَّهُ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مِنْ حَقِّهِمْ، وَالنَّاسُ فِيهِ تَبَعٌ لَهُمْ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ فِيهِ طَاعَتُهُمْ.

لَا غَضَاضَةَ فِي هَذَا عَلَى فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا خَدْشًا لِحُرِّيَّتِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ، وَلَا نَيْلًا مِنْ عِزَّةِ نَفْسِهِ، فَحَسْبُهُ أَنَّهُ حُرٌّ مُسْتَقِلٌّ فِي خُوَيِّصَةِ نَفْسِهِ، لَمْ يُكَلِّفْ أَنْ يُقَلِّدَ أَحَدًا فِي عَقِيدَتِهِ وَلَا فِي عِبَادَتِهِ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شُئُونِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ، وَلَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا مِنَ الْعَدْلِ وَلَا الْمَصْلَحَةِ أَنْ يَسْمَحَ لَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي شُئُونِ الْأُمَّةِ وَمَصَالِحِهَا، وَأَنْ يَفْتَاتَ عَلَيْهَا فِي أُمُورِهَا الْعَامَّةِ، وَإِنَّمَا الْحِكْمَةُ وَالْعَدْلُ فِي أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ فِي مَجْمُوعِهَا حُرَّةً مُسْتَقِلَّةً فِي شُئُونِهَا كَالْأَفْرَادِ فِي خَاصَّةِ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَتَصَرَّفُ فِي هَذِهِ الشُّئُونِ الْعَامَّةِ إِلَّا مَنْ يَثِقُ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، الْمُعَبَّرِ عَنْهُمْ فِي كِتَابِ اللهِ بِأُولِي الْأَمْرِ; لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ قَدْ وَثِقَتْ بِهِ الْأُمَّةُ هُوَ عَيْنُ تَصَرُّفِهَا، وَذَلِكَ مُنْتَهَى مَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بِهِ سُلْطَتُهَا مِنْ نَفْسِهَا).

وقال الطاهر بن عاشور: (جاء فيه حديث أبي موسى «أن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط) .

وعن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ليس منا من لم يجلّ كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه» .

وذكر ابن عبد البر رحمه الله بسنده أن زيادًا خطب على منبر الكوفة فقال:(أيها الناس إني بت ليلتي هذه مهتمًا بخلال ثلاث رأيت أن أتقدم إليكم فيهن بالنصيحة:

رأيت إعظام ذوي الشرف، وإجلال ذوي العلم، وتوقير ذوي الأسنان.

والله لا أوتى برجل رد على ذي علم ليضع بذلك منه إلا عاقبته، ـ إلى أن قال ـ إنما الناس بأعلامهم، وعلمائهم، وذوي أسنانهم) [جامع بيان العلم: 1/ 64] ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وقال عمر رضي الله عنه: «فساد الدين إذا جاء العلم من قبل الصغير استعصى عليه الكبير, وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير تابعه عليه الصغير» وهذا أثر عظيم عزاه الحافظ ابن حجر إلى مصنف قاسم بن أصبغ وصحح إسناده, والمراد بالصغر في هذا الأثر صغر القدر, وليس صغر السن,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت