جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فسادًا، فمن بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّهَ أن يقتلا».
فهذه هي البيعة الأولى كما تذكرها المصادر، وهي بيعة فضلاء وكبار المهاجرين والأنصار له رضي الله عنه، ثم تبعتها البيعة الثانية وهي بيعة عامة المسلمين في المسجد على المنبر.
النتائج المستخلصة:
1 ـ الدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص صراحة على الخليفة من بعده، ولا أخبر بمن سيتولى، وفي هذا دلالة على أن للإمام أن يترك الاختيار للمسلمين من بعده.
2 ـ أن بيعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه تمت بعد مشاورات بين فضلاء المهاجرين والأنصار، وفي هذا دلالة على أن الذي يقوم بالاختيار هم فضلاء القوم وعلماؤهم ورؤساؤهم وهم من يسمَّمون بـ"أهل الحل والعقد". ولا يفوتنا التنويه بالصراحة والوضوح في عرض الآراء التي سادت المشاورة من غير خلفية ولا طعن في النوايا رضي الله عنهم أجمعين [1] .
3 ـ لا يشترط الإجماع التام على اختيار الخليفة، فلا تضر مخالفة بعض القوم كما لم تضر مخالفة سعد بن عبادة رضي الله عنه.
4 ـ مشروعية البيعة للخليفة المختار من قبل أهل الحل والعقد أولًا، ثم من قبل عامة المسلمين ثانيًا، كما تمَّّ لأبي بكر رضي الله عنه.
5 ـ لا يشترط في الانتخاب حضور جميع أهل الحل والعقد، كما لم يضر تخلف علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام رضي الله عنهما، حيث تخلفا عن الاختيار ـ كما ذكرت بعض الروايات ـ لتجهيز
(1) (ـ مقابل هذه الصراحة والجرأة في ذلك الجيل المطلوب التأسي به يراد منا التسليم لقرار الدولة من غير اعتراض ولا نقاش