2 ـ وقوم اشترطوا إجماع أهل الحل والعقد: وحكى ابن خلدون أن هذا هو السبب الذي جعل بعض الصحابة يعدلون عن بيعة علي رضي الله عنه إلى المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه، فقال: (رأى آخرون أن بيعته ـ أي علي ـ لم تنعقد، لافتراق الصحابة أهل الحل والعقد بالآفاق، ولا تلزم بعقد من تولاها من غيرهم أو من القليل منهم ـ إلى أن قال ـ ذهب إلى ذلك معاوية، وعمرو بن العاص، وأم المؤمنين عائشة، والزبير، وابنه ... إلخ) رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وذهب إلى ذلك أيضًا أبو يعلى في كتابه [المعتمد في أصول الدين] حيث قال: (لأن الإمام يجب الرجوع إليه، ولا يسوغ خلافه والعدول عنه كالإجماع، ثم إن الإجماع يعتبر في انعقاده جميع أهل الحل والعقد كذلك عقد الإمامة له) .
وعند النظر في هذا المذهب نجده مردودًا بقسميه للأسباب التالية:
أ ـ أما اشتراط إجماع الدهماء فلا يلتفت إليه، لأن طبقة الدهماء لابدّ أن تكون مقلدة لفئة فيها، فلا تستطيع أن تحكم في أناة وتعقُّل لتختار الإمام العادل، ومن ثم فإن أهل الحل والعقد وهم: الطليعة الواعية والفئة المستنيرة من أهل الاجتهاد من الأمة، هم الجديرون باختيار الإمام، لأنهم سيحتملون وزره إذا لم يتحروا في اختياره الصواب، وسيكونون شركاءه في مآثمه ومظالمه.
ب ـ ولأنه كما يقول ابن حزم رحمه الله: (تكليف ما لا يطاق وما ليس في الوسع وما هو أعظم الحرج، والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ) .
جـ ـ وهو مدفوع أيضًا بما حدث بين الصحابة في سقيفة بني ساعدة، إذا التقى في تلك السقيفة بعض أهل الحل والعقد، ولم ينتظروا حضور الجميع، وفي ذلك المقام بايعوا أبا بكر رضي الله تعالى عنه دون انتظار لرأي الآخرين.
د ـ أما قياس ذلك على الإجماع فهو قياس مع الفارق.
المذهب الثاني:
وهناك من حدد أهل الحل والعقد بعدد معين، واختلفوا في هذا التحديد إلى عدة آراء هي:
1 ـ قوم قالوا: (إن أقلَّ ما تنعقد به أربعون لا دونهم، لأن عقد الإمامة فوق عقد الجمعة ولا تنعقد بأقل من أربعين) .