فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 133

إنما تنعقد بمبايعة من تقوى به شوكته، ويقدر به على تنفيذ أحكام الإِمامة؛ لأن من لا قدرة له على ذلك كآحاد الناس ليس بإِمام).

ويقول الجويني: (وأقرب المذاهب ما ارتضاه القاضي أبو بكر، وهو المنقول عن شيخنا أبي الحسن رضي الله عنهما وهو أن الإمامة تثبت بمبايعة رجل واحد من أهل العقد، ووجه هذا المذهب أنه تقرر أن الإجماع ليس شرطا في عقد الإمامة ثم لم يثبت توقيف في عدد مخصوص، والعقود في الشرع يتولاها عاقد واحد وإذا تعدى المتعدي عن الواحد فليس عدد أولى من عدد ولا وجه للتحكيم في إثبات عدد مخصوص، فإذا لم يقم دليل على عدد لم يثبت العدد، وقد تحققنا أن الإجماع ليس شرطا فانتفى الإجماع بالإجماع وبطل العدد بانعدام الدليل عليه فلزم المصير إلى الاكتفاء بعقد الواحد. ... وظاهر قول القاضي يشير إلى أن ذلك مقطوع به، وهذا وإن كان أظهر المذاهب في ذلك فلسنا نراه بالغا مبلغ القطع؛ وها أنا الآن أذكر ما يلوح عندي في هذا الفصل وفيه ذكر كلام ينعطف على الفصل الأول فأقول: الذي أراه أن أبا بكر لما بايعه عمر لو ثار ثائرون وأبدوا صفحة الخلاف ولم يرضوا تلك البيعة لما كنت أجد متعلقا في أن الإمامة كانت تستقل ببيعة واحد، وكذلك لو فرضت بيعة اثنين أو أربعة فصاعدا وقدرت ثوران مخالفين لما وجدت متمسكا به اكتراث واحتفال في قاعدة الإمامة، ولكن لما بايع عمر تتابعت الأيدي واصطفقت الأكف واتسقت الطاعة وانقادت الجماعة، فالوجه عندي في ذلك أن نعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع يحصل بهم شوكة ظاهرة ومنعة قاهرة بحيث لو فرض ثوران خلاف لما غلب على الظن أن يصطلم أتباع الإمام، فإذا تأكدت البيعة وتأطّدت بالشوكة والعدد والعُدد، واعتضدت وتأيّدت بالمنة واستظهرت بأسباب الاستيلاء والاستعلاء، فإذ ذاك تثبت الإمامة وتستقر وتتأكد الولاية وتستمر، ولما بايع عمر مالت النفوس إلى المطابقة والموافقة ولم يبد أحد شراسا وشماسا وتظافروا على بذل الطاعة على حسب الاستطاعة. وبتعين اعتبار ما ذكرته بأني سأوضح في بعض الأبواب الآتية إن الشوكة لا بد من رعايتها ومما يؤكد ذلك اتفاق العلماء قاطبة على أن رجلا من أهل الحل والعقد لو استخلى بمن يصلح للإمامة وعقد له البيعة لم تثبت الإمامة، وسنذكر ذلك في مختتم هذا الفصل، وسبب تعلقي بذلك أن مثل هذا لو قدر لم تستتب منه شوكة ولم تثبت به سلطنة فلئن كنا نتبع ما جرى فقد كانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت