البيعة على هذه القضية التي وصفتها وظهر اعتبار حصول الشوكة فلنتبع ذلك، ثم أقول: إن بايع رجل واحد مرموق كثير الأتباع والأشياع مطاع في قوم وكانت بيعته تفيد ما أشرنا إليه انعقدت الإمامة، وقد تبايع رجال لا يفيد مبايعتهم شوكة ومنة قهرية فلست أرى للإمامة استقرارا، والذي أجزته ليس شرط إجماع ولا احتكاما بعدد ولا قطعا بأن بيعة الواحد كافية وإنما اضطربت المذاهب في ذلك لوقوع البيعة لأبي بكر مبهمة من غير اختصاص بعدد، ولم تتجه إحالة إبرام العقد على بيعة واحد فتفرقت الطرق واعوص مسلك الحق على معظم الناظرين في الباب، والذي ذكرته ينطبق على مقصد الإمامة وسرها فإن الغرض حصول الطاعة وهو موافق للإبهام الذي جرى في البيعة فرحم الله ناظرا انتهى إلى هذا المنتهى فجعل جزاءنا منه دعوة بخير).اهـ.
وقال أيضا: (لا بد في الخلع ـ أي خلع الإمام عند الحاجة ـ والعقد ـ أي تولية الإمام ـ من اعتبار الشوكة) .
وبقول الغزالي في فضائح الباطنية: (والذي نختاره أنه يكتفى بشخص واحد يعقد البيعة للإمام طالما كان ذلك الواحد مطاعًا ذا شوكة لا تطال، وطالما كان إذا مال إلى جانب مالت بسببه الجماهير ولم يخالفه إلا من لا يكترث بمخالفته، فالشخص الواحد المتبوع المطاع الموصوف بهذه الصفة إذا بايع كفى، إذ في موافقته موافقة الجماهير، فإن لم يحصل هذا الغرض إلا لشخصين أو ثلاثة فلابد من اتفاقهم، وليس المقصود أعيان المبايعين، وإنما الغرض قيام شوكة الإمامة بالأتباع والأشياع وذلك يحصل بكل مستول مطاع، ونحن نقول: لما بايع عمر أبا بكر رضي الله عنهما، انعقدت الإمامة له(لأبي بكر) لا بمجرد بيعته (أي بيعة عمر) ولكن لتتابع الأيدى إلى البيعة بسبب مبادرته، ولو لم يبايعه غير عمر وبقي كافة الخلق مخالفين أو انقسموا انقساما متكافئا لا يتميز فيه غالب عن مغلوب لما انعقدت الإمامة، فإن شرط الانعقاد قيام الشوكة وانصراف القلوب إلى المشايعة، ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة، فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء في مصطدم تعارض الأهواء، ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة على متابعة رأي واحد إلا إذا ظهرت شوكته وعظمت نجدته، وترسّخت في النفوس رهبته ومهابته، ومدار جميع ذلك على الشوكة، ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من معتبري كل زمان).