فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 133

وقد سبق قول الرملى: (لِأَن الْأَمر يَنْتَظِم بهم ويتبعهم سَائِر النَّاس) .

قال رشيد رضا: (وَهَذَا التَّعْلِيل هُوَ غَايَة التَّحْقِيق منطوقًا ومفهومًا، فَإِذا لم يكن المبايعون بِحَيْثُ تتبعهم الْأمة فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة بمبايعتهم) .

الرأي الراجح وأدلة الترجيح:

وهذا هو الرأي ـ أي المذهب الثالث ـ الذي نميل إليه ونرجحه لما يلي:

1 ـ لاتفاقه مع ما حصل في بيعة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ـ كما مر ـ فإنهم لم يشترطوا إجماع أهل الحل والعقد، ولم يحددوا الفئة الناخبة بعدد معين كما ذهب إلى ذلك أصحاب المذهب الثاني، ولم يكتفوا في المبايعة بأي عدد ممكن، بل كانوا يكثرون الاستشارة واستطلاع الرأي العام.

قال رشيد رضا: (وَهَذَا هُوَ الْمَأْخُوذ من عمل الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فِي تَوْلِيَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، فَإِن عمر عَدّ البدء فِي بيعَة أبي بكر فلتة لِأَنَّهُ وَقع قبل أَن يتم التشاور بَين جَمِيع أهل الْحل وَالْعقد إِذْ لم يكن فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة أحد من بني هَاشم وهم فِي ذروتهم، وتضافرت الرِّوَايَات بِأَن أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ أَطَالَ التشاور مَعَ كبراء الصَّحَابَة فِي ترشيح عمر فَلم يعبه أحد لَهُ بِشَيْء إِلَّا شدته، وَإِن كَانُوا يعترفون أَنَّهَا فِي الْحق، فَكَانَ يُجِيبهُمْ بِأَنَّهُ يرَاهُ يلين فيشتد هُوَ ـ وَهُوَ وزيره ـ ليعتدل الْأَمر، وَأَن الْأَمر إِذا آل إِلَيْهِ يلين فِي مَوضِع اللين ويشتد فِي مَوضِع الشدَّة، حَتَّى إِذا رأى أَنه أقنع جُمْهُور الزعماء ـ وَفِي مقدمتهم عَليّ كرم الله وَجهه ـ صرح باستخلافه فقبلوا وَلم يشذ مِنْهُم أحد، وَلما طعن عمر رأى حصر الشورى الْوَاجِبَة فِي الزعماء السِّتَّة الَّذين مَاتَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ عَنْهُم رَاض لعلمه بِأَنَّهُ لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِم أحد وَلَا يخالفهم فِيمَا يتفقون عَلَيْهِ أحد، لأَنهم هم المرشحون للْإِمَامَة دون سواهُم ... وَلما أخرج نَفسه عبد الرَّحْمَن بن عَوْف مِنْهُم وَجعلُوا لَهُ الِاخْتِيَار بَقِي ثَلَاثًا لَا تكتحل عينه بِكَثِير نوم وَهُوَ يشاور كبراء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَلما رَجَعَ عُثْمَان دَعَا الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وأمراء الأجناد فَلَمَّا اجْتَمعُوا عِنْد مِنْبَر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد صَلَاة الْفجْر صرح لَهُم بِاخْتِيَارِهِ لعُثْمَان وَبَايَعَهُ هَؤُلَاءِ كلهم، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَغَيره. وَالْمرَاد بأمراء الأجناد وُلَاة الأقطار الْكُبْرَى مصر وَالشَّام وحمص والكوفة وَالْبَصْرَة وَكَانُوا قد حجُّوا مَعَ عمر فِي ذَلِك الْعَام وحضروا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت