إن المرء الذي يحترم عقله وعقول غيره، لا ينبغي أن يقدم على أمر يهم جميع المسلمين دون أن يراعي هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته رضي الله عنهم من بعده، فقد كانوا أفقه الناس وأعرفهم بقواعد الشرع ومقاصده، ودون أن يستنير بأقوال العلماء المشهود لهم بالفضل في كيفية التصرف مع القضايا العامة.
لولا الإلزامات التي رتبها الأخ العدناني على بيعة الخلافة المعلنة لأمكننا السكوت، وقلنا تلك بيعة تلزم أهلها ومن رضيها قياسا على تعدد الخلفاء في التاريخ الإسلامي. لكن الإلزامات المعلنة تجعلنا نناقشها على ضوء ما أسلفنا من هدي الصحابة رضي الله عنهم ونقول العلماء رحمهم الله.
أولا: الخلافة المعلنة جاءت والإمام منعدم.
وقد نص العلماء أنه إذا خلا الزمان عن السلطان فإن جماعة المسلمين من العلماء والوجهاء تقوم مقامه إلى أن ينصب. وهذه من أهم القواعد الفقهية في السياسة الشرعية، نصّ عليها فقهاء المذهب الفقهية، وعملوا بها في موارد كثيرة من فروع الفقه.
يشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لثلاثة يكونون بِفَلاَة من الأرض إلا أمَّروا عليهم أحدهم» [رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا عليهم أحدهم» [رواه أبو داود عن أبي سعيد رضي الله عنه]
(وفي ذلك دليل لقول من قال إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام) [1]
وقد طبق الصحابة رضي الله عنهم ذلك في غزوة مؤتة، فأمروا خالدا رضي الله عنه عندما اضطروا للتأمير وتعذرت مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال الطحاوي: (هذا أصل يؤخذ منه: على المسلمين أن يقدموا رجلا إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر)
قال الحافظ ابن حجر: (ولا يخفى أن محله ما إذا اتفق الحاضرون عليه) [فتح الباري: ج 6] .
وقال ابن قدامة الحنبلي: (فإن عُدم الإمام لم يُؤخَر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره) [المغني] .
وقال الإمام الجويني: (فإذا شغر الزمان عن كاف مستقل بقوى ومنة فكيف تجري قضايا الولايات
(1) • ـ نيل الأوطار