كنت أذكر ما كنت أستاء منه في المدرسة مما كان يصنع معنا معلمنا، فلا أصنع معكم منه شيئا: كنا نفر من المدرسة لأننا لا نجد فيها إلا جبارًا عاتيا، عبوس الوجه، قوي الصوت، بذيء الكلمات، فجعلتكم تحبون المدرسة لأنكم تلقون فيها أبًا باسمًا شفيقًا يحبكم ويشفق عليكم، ويحرص على رضاكم كما يحرص على نفعكم
وكنا نكره الدرس لأننا نجده شيئًا غريبا، وطلاسم لا نفهمها ولا ندرك صلتها بالحياة، ونعاقب على إهماله، ونجازي على الخطأ فيه، فجعلتكم تحبون الدرس لأنكم ترونه سهلًا سائغا، تدركون صلته بحياتكم، وفائدته لكم، وتحفظونه لأنه لازم ومفيد لا خوفًا من العقاب ولا هربًا من الجزاء
وكنا ننتظر المساء لننجو من المدرسة، لأننا نسجن فيها سجنا، لا نستطيع أن نميل أو نتلفت أو نتكلم، ولا نسمع من الأستاذ إلا عبارة الدرس المبهمة وألفاظ الشتائم المؤلمة. فجعلتكم تكرهون المساء لأنه يفصلكم عن المدرسة التي تقولون فيها ما شئتم من طيب القول، وتفعلون ما أردتم من صالح العمل، وتقرءون مازلتم نشيطين للقراءة، فإذا مللتم من الدرس سمعتم قصة لطيفة، ونكتة حلوة، هي أيضًا درس من الدروس، ووجدتموني أحادثكم كما أحادث الرجال لا الأطفال. كنا نشعر بأننا أذلاء في المدرسة لأننا لا نقدر أن ندافع عن حقنا، أو نطالب بما لنا، وإذا قلنا كلمة فالعصا نازلة على رءوسنا، أو رددنا على المعلم لفظة، فالبلاء مستقر على عواتقنا، فجعلتكم أعزة أحرارا، تدافعون عن حقكم، وتطالبون بما لكم، ولكن بأدب واحترام، واتباع لقوانين المجتمع وأنظمة المدرسة. . .
أتذكرون يوم جئتكم كيف كان أكثركم يأتي إلى المدرسة بادية أفخاذه، مرجلًا شعره، في جيبه مشطه ومرآته، وكمّتُه (بيريه) على رأسه. تفخرون برقتكم، وتعتزون بجمالكم، وتتخلعون في مشيتكم، ولا تجدون من معلميكم إلا إقرار ما تفعلون، واستحسان ما تأتون، لا تربطكم بالإسلام إلا رابطة الاسم، ولا بالعروبة إلا صلة الجنسية، ولا تعرفون من تاريخكم ما تعرفون من تاريخ الحّثيين والآراميين الذي قرأتموه مفصلًا قبل أن تدرسوا سيرة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وقبل أن تعلموا من هو أبو بكر، وقبل أن تسمعوا باسم معاوية. فعلمتكم أن فخر الرجل بقوته وعلمه، واعتزازه بدينه ولغته. فاشتدت أعصابكم، وقويت نفوسكم، وتنبهت عزائمكم وصرتم تمشون كالأسود، وتلعبون كالعفاريت.