السلطنة الرومانية، وذلك قلل إلى حد كبير مشاكل الحكم التي تلازم السلطنات المترامية الأطراف.
إن اجتماع هذه الأسباب الأساسية هو الذي ساعد على إطالة عمر الإمبراطورية الرومانية بالنسبة إلى ما كان معتادًا في القرون الأولى والوسطى.
ومع كل هذا يجب ألا ننسى أن هؤلاء الرومان أيضًا لم يسلموا من آفات الاختلاف والتنافس: استعرضوا تاريخ روما بنظرة فاحصة ولاحظوا كم من المنازعات قامت بين مختلف الطبقات الاجتماعية، حتى في مدينة روما نفسها، وحتى في عهد الجمهورية؟ وكم من الحروب الداخلية نشبت بين القواد في عهد الإمبراطورية؟ وكيف أصبحت الجيوش ذات الكلمة النافذة في تنصيب الأباطرة؟ وكيف كانت الغلبة والكلمة العليا في هذا الأمر تارة إلى الجيوش المرابطة في أسبانيا، وطورًا إلى الجيوش المرابطة في سوريا، وتارة إلى الجنود المرابطة في أفريقيا؟ وكيف أصبح الوصول إلى العرش رهن النجاح في مؤامرات لا تعد ولا تحصى؟
وإذا لاحظتم كل ذلك اضطررتم إلى التسليم بأن الإمبراطورية الرومانية لم تعش سالمة من الاختلافات، بل إنما عاشت بالرغم من الاختلافات، وأما إخلاف الرومان القدماء، فلا ننس أنهم عاشوا متفرقين متخالفين مدة لا تقل عن خمسة عشر قرنًا.
وإذا تركنا السلطنات القديمة جانبًا، وانتقلنا إلى الدول المعاصرة لنا، وتتبعنا أحوالها الماضية - طوال القرون الوسطى وخلال النصف الأول من القرون الأخيرة - وصلنا إلى نتائج مماثلة لما ذكرناه آنفًا.
ولنأخذ فرنسا مثلا؛ فقد كان من المعلوم أنها أسبق الدول الأوربية إلى الوحدة السياسية الكاملة، والتماسك القومي المتين، ولكنا إذا استعرضنا أحوالها خلال القرون التي ذكرناها آنفًا وجدناها بعيدة عن الوحدة كل البعد، ومسرحًا لشتى أنواع الخلافات والحروب.
أنا لا أود أن أطيل الحديث في هذا الموضوع، ولذلك أكتفي بنقل كلمة كتبها مؤرخ فرنسا الشهير (أرنست لافيس) لتلخيص تلك الأحوال، قال المؤرخ:
(لقد مضى عهد من التاريخ كانت فيه فرنسا شبيهة بمقدونيا الحالية منقسمة إلى أجزاء كثيرة، متخالفة، متنابذة، متنافسة، متخاصمة. وقد وجب أن تسيل الدماء مدرارًا حتى تلتحم