لي عذرهم ما أنت من عدة المنى ... إلا وراء مخيلة ما تصدق
والحق أنه - رحمه الله - كان يجد في الذكريات الدينية ظلًا وارفًا يتفيأه في هجير الحياة، فهي تتيح له الموازنة بين الحاضر والماضي مما تكلمنا عنه قبل ذلك، كما تمكنه من إسداء النصائح الصادقة لأبناء الدعوة المحمدية في مختلف البقاع وتلك رسالة الشاعر العامل، إذ يحمل بيده المشعل المضئ فينير السبيل.
وكنت أود أن أتكلم عن الإلياذة كوحدة مستقلة فأعرض لها ببعض التحليل والتسريح، ولكن القدر قد كتب لها أن تظل في مهملات وزارة المعارف مجفوة منسية في عصر مجحف ظالم رسبت الدرر الغالية في قاعة، وطفت الجيف المنتنة فوق سطحه، فطبعت دواوين المتشاعرين من الهتافين والمصفقين، وأهملت ملاحم النوابغ الملهمين. ولولا ما قرأته في المجالات الأدبية والعلمية كالرسالة والثقافة والأزهر من قصائد متناثرة تنتمي إلى إلياذة محرم لظنّها خرافة مختلق مريب!!.
وإذا تعدينا تاريخ محمد إلى غيره من المرسلين فإننا نجد محرمًا قد اندفع أيضًا وراء عاطفته الدينية فنظم في قصص الأنبياء معلقة طويلة ألقاها في موسم الشعر وقد ابتدأها بقصة آدم وحواء، وخروجها من الجنة، ثم دلف إلى الأنبياء الذين ذكرهم القرآن فروى قصصهم الماضية مبينًا جهود كل نبي في دعوته، وما قابله به قومه من العناد والاستخفاف، ثم ما كان في النهاية من ظهور الحق وخذلان الباطل، وإن كان هناك فرق شاسع بين حديث الشاعر عن الأنبياء في ملحمته الجيدة، وحديثه عن محمد في إلياذته العامرة، حيث كان في الأولى مؤرخًا يسجل الحوادث كما حكاها القرآن، وتناقلها الرواة والمفسرون دون أن تقوم شاعريته بتوليد بارع أو ابتكار رائع؛ ولكنه في الإلياذة قد جمع بين التاريخ والفن، فهو يبدع في الفكرة والعرض معًا كما يرسم صورة للزمان والمكان. وقد يهتم بالجزئيات الصغيرة فيصوغها في لباقة تحمد للنائر المترسل فما ظنك بالمقيد بقافية ووزن!! ذلك توفيق كبير.
رحم الله محرمًا فقد أسدى إلى العروبة والإسلام يدًا بيضاء لم يسلفها شاعر عربي قبله، ومع ذلك فقد عاش حياته الطويلة في دمنهور كادحًا متعبًا لا يجد الناشر الذي يظهر له ديوانه الرائع في ثوب لائق بمركزه المرموق، ثم وافاه الأجل المحتوم فسكت الأدباء عنه