تربوا في (مدرسة الصحراء (وتتلمذوا على(بطل الأبطال) .
سار (علي بن أبي طالب) رافعًا بيمينه راية (العقاب) السوداء، وبجانبه رجل من الأنصار بحمل الراية الثانية، وسار المسلمون خلفهما يقدمهما قائدهم الأعظم (محمد) قاصدين بدرًا، ليقاتلوا المشركين الذين جمعوا جموعهم، واستعدوا للقتال. . . ساروا وكانت الأرض تهتز تحت أقدامهم، والروابي والهضاب تتجاوب مع نشيدهم، وتجلجل السماء بتكبيرهم. . . حتى إذا ما بعدوا عن المدينة ميلا أو بعض ميل، وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستعرض الجيش ويتفقد الفرسان، ويلقي على جنوده الأوفياء تعاليم القائد الخبير، ويحثهم على الصبر والشجاعة ويضمن لمن يستشهد في سبيل الله الجنة.
وكان الفتيان الثلاثة قد انتحوا جانبًا غير بعيد من مؤخرة الجيش، يشجع بعضهم بعضًا، وقد علا البشر وجوههم، وملأت الغبطة نفوسهم. وكان (عمير بن أبي وقاص) أكثرهم تواريًا حتى قال له أخوه: (مالك يا أخي؟!) فقال: (إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستصغرني فيردني وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة) . . . وفيما هما يتحاوران وإذا برسول الله قد أقبل، فرأى هؤلاء الفتيان الصغار وقد تقلد كل واحد منهم سيفًا يلامس الأرض، ووقفوا ينتظروا المسير. فسألهم رسول الله عما جاء بهم من المدينة، فأجابوه بأنهم يريدون الخروج معه لجهاد المشركين، وأنهم تعاهدوا على الشجاعة والإقدام، وبذل الروح في سبيل الإسلام. فضحك صلى الله عليه وسلم إعجابًا بهم، ونظر إلى تلك الأجسام الصغيرة التي خرجت لتكون وقود الحرب، فأخذته الرحمة لها، وأشفق عليها أن تكون طعمة للسيوف، وعز عليه أن يقذف بها إلى الموت، فردهم وأبى أن يخرجهم معه. فعظم ذلك عليهم، وحزنوا من أجله حزنًا شديدًا، وجلس عمير يبكي وقد أحزنه كثيرًا أن يحرم من الجهاد تحت لواء الرسول صلى الله عليه وسلم ووقف أخوه وصاحباه من حوله يبكون لبكائه ويودون لو سمح له رسول الله بالخروج إلى الجهاد، فرق قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم له وأجازه وعقد له حمائل سيفه، فوثب فرحًا نشيطًا، يودع صاحبيه ويبعث معهما إلى أمه بتحية الجندي الباسل، لتكون لها عزاء وسلوى. . . وذهب المسلمون إلى (بدر) وقاتلوا المشركين، وأطاحوا برؤوس الكفر، وزلزلوا كيان