حق مدى الزمن والخلود - في كل صفحة من صفحاته تجد شاهدًا ناطقًا يشكري على كل ما أوليتنيه؛ ولكن يعروني الجزع لشكي المخيف - إلى أي مدى استطعت أن أظهر نفسي أهلًا لنفحاتك؟! سأكون قادرًا على إبداع أعمال أخرى أفضل في مقتبل الأيام وأقصد بمقتبل الأيام ذلك الزمن الذي يكون فيه فن بايروت (يقصد فن فاجنر) قد طار صيته.
وفي نفس الوقت أشعر بالزهو إذ أحس بنفس إذ أحس بنفسي كجمرة تضطرم؛ لأنني من الآن فصاعدًا سيقترن اسمي باسمك إلى الأبد.
مدينة يال في 2 يناير 1872 ف. نيتشه
ألا ترى يا أستاذ معداوي أن نيتشه يعترف صراحة بأثر فاجنر وفنه في أول كتاب تفتقت عنه عبقريته؟ فكل صفحة من صفحاته شاهد ناطق بذلك كما يقول الفيلسوف نفسه!! وإن نجاح نيتشه في كتابه ليس إلا برهانا على نجاح تأثير الموسيقار وفنه؟ بل إن الفيلسوف ليؤجحه الشعور بالزهو والفخر إذ شعر باقتران اسمه باسم الموسيقار العظيم إلى الأبد! مسكين أيها الخميسي الدعي! يا من تتناول مشكلات الأدب والفن هذا التناول الذي يبعث على الضحك والعجب والإشفاق!
إن (المثقفين يا أستاذ في كل مكان يعلمون حقًا أن موسيقى فاجنر قد لقيت من قلم نيتشه أعنف وأبشع ما قليته موسيقى فنان من قلم فيلسوف) ولكن هؤلاء المثقفين أنفسهم يعلمون أيضًا أن هذه الموسيقى بالذات قد لقيت من قلم نيتشه أسمى آيات المديح. إنها حقيقة ذات وجهين يعرفهما كل مثقف في كل مكان! فهل أظهرت يا أخي أحد الوجهين وأخفيت الآخر متعمدًا لترخي لقلمك العنان في سخرياته من الخميسي الدعي الذي يصدم الخيال والواقع ويخالف منطق الحياة والأحياء هو وأمثاله (على حد قولك) حين يكتبون؟! أم أنك كنت بالوجه الثاني لتلك الحقيقة على غير علم؟! إنني أترك لك اختيار إحدى الحالين. . . ولست أغبطك على هذا الموقف. . . الذي لا يبعد كثيرًا عن ذلك الذي أراد أن يتمسك من الآية القرآنية بعبارة (لا تقربوا الصلاة. . .) وترك الباقي لغاية في نفسه وإن كنت شخصيًا أنزه ناقدًا مثلك عن هذه الغايات!
أما سبب ذلك الانقلاب من النقيض إلى النقيض للفيلسوف على صديقه الموسيقار فيعزوه المثقفون أو بعضهم على الأقل إلى علاقة غرامية أحس بها الفيلسوف نحو زوج صديقه