فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17137 من 30278

والتنغيم ـ كما أفهمه ـ يعني عادة بمتابعتة صوت المتكلم في التغيرات الطارئة عليه أصواتيًا بما يلائم توقعات النفس الإنسانية للتعبير عن الحالات الشعورية واللاشعورية.

وكان المستشرق الألماني الدكتور براجشتراس قد وقف موقف المتحير حينًا، والمتسائل حينًا آخر، من معرفة علماء العربية بمصطلح النبر، فهو لم يعثر على نص يستند عليه، ولا أثر يلتجىء إليه في إجابة العربية عن هذا الأمر (2) .

والحق أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود كما يقال؛ غير أن القدماء من العرب لم يدرسوا النبر في تأثيره في اللغة، بل لأنه يعنى بضغط المتكلم على الحرف، وبذلك ربطوه بالتنغيم أحيانًا، وبالإيقاع الذي يهز النفس، ويستحوذ على التفكير، وقد اختار عبد الصبور شاهين مقطعًا من خطبة تروى لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أثبتها وعقب عليها، قال الإمام علي فيما روي عنه: «من وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال: فيم؟ فقد ضمَّنه، ومن قال: علام؟ فقد أخفى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزاولة» . وللقارىء أن يتخيل أداء هذه الجمل المتتابعة موقعة على نحو يشد إليها أسماع الناس، ويستأثر بإعجابهم» (3) .

الحق أن اللحاظ المشترك بين النبر والتغنيم عند العرب القدامى يجب أن يكون موضع عناية من الناحية النظرية، مع فرض توافره تطبيقًا

(1) ظ: مالمبرج، علم الأصوات: 187.

(2) ظ: براجشتراسر، التطور النحوي: 46.

(3) عبد الصبور شاهين، علم الأصوات الدراسة: 200.

قرأنيًا في سور متعددة، وخطابيًا عند النبي عليه السلام والأئمة والصحابة وفصحاء العرب في جملة من الخطب.

اتضح لزميلنا الدكتور خليل العطية أن ابن جني (ت: 392 هـ) في عبارته (التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم) (1) يمكن أن يشار عنده بها إلى مصطلحي النبر والتنغيم، بما تتفتّق معاني ألفاظ العبارة من دلالات لغوية فقال:

«وتشير ألفاظ التطويح والتطريح والتّفخيم من خلال معانيها اللغوية إلى رفع الصوت وانخفاضه والذهاب به كل مذهب، وهي على هذا إشارة الى النبر، وليس النبر غير عملية عضوية يقصد فيها ارتفاع الصوت المنبور وانخفاضه، كما أن تمطيط الكلام، وزوي الوجه وتقطيبه، مظهر من المظاهر التي تستند عليها ظاهرة التنغيم» (2) .

فإذا نظرنا إلى تعريف التنغيم عند الأوروبيين بأنه «عبارة عن تتابع النغمات الموسيقية أو الإيقاعات في حدث كلامي معين» (3) ، ثبت لدينا أن هذا التعريف الفضفاض لا يقف عند حدود في التماس ظاهرة التنغيم وضبطها، لأن تتابع النغمات والإيقاعات بإضافتها إلى الحدث الكلامي تختلف في هبوطها وصعودها نغمًا وإيقاعًا، فهي غير مستقرة المستويات حتى صنف مداها عند الدكتور تمام حسان إلى اربعة منحنيات: «مرتفع وعال ومتوسط ومنخفض» (4) .

و معنى هذا أن ليس بالإمكان قياس مسافة التنغيم ليوضع له رمز معين، أو إشارة معلمة عند العرب، لهذا فقد كان دقيقًا ماتوصل إليه زميلنا الدكتور طارق الجنابي باعتباره التنغيم «قرينة صوتيية لا رمز لها، أو يعسر أن تحدد لها رموز، ومن ثم لم يكن موضع عناية اللغويين القدامى، ولكنه وجد من المحدثين اهتمامًا خاصًا بعد أن أضحت اللغات المحكية

(1) ابن جني، الخصائص: 2>370.

(2) خليل إبراهيم العطية، في البحث الصوتي عند العرب: 67 وما بعدها.

(3) ماريو باي، أسس علم اللغة: 93.

(4) ظ: تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها: 229.

موضع دراسة في المختبرات الصوتية» (1) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت