فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17146 من 30278

بهذا أعطى دي سوسور تفصيلًا مكثفًا لإحداث الأصوات وتوليدها من أجهزتها، ولكن هذا التفصيل لم يكن ليتأتى له لولا تطور الدراسات الصوتية فسلجيًا وفيزيائيًا وتشريحيًا، أما الخليل فقد اهتدى لذلك فطريًا على وجه العموم، واكتشف ولأول مرة كل التفصيلات الصحيحة لجهاز النطق وإحداث الصوت بذهنيته الوقادة دون الاستعانة بأي علم يتسع لمثل إبداعاته الصوتية في بيئته البدوية.

ولم يكن فهم الخليل لأبعاد إحداث الأصوات بمنأى عن الفهم عند دي سوسور، بل لقد زاد عليه ـ كما عرفت سابقًا ـ في كثير من الخصوصيات الانطلاقية لهذه الأجزاء ـ التي قد تعتبر أولية في مدرسته الصوتية ـ تنم عن إدراك متكامل للموضوع، وتمرس عميق في قضايا صوتية معقدة.

(1) دي سوسور، علم اللغة العام: 60.

الصوت في منهجية سيبويه

ولو تركنا الخليل ذاته إلى من تأثر بمدرسته لوجدنا جهودًا صوتية متناثرة، تستند في أغلبها إلى مبتكرات الخليل، توافقه حينًا، وتخالفه حينًا آخر. فأعضاء النطق مثلًا عند الخليل وعند سيبويه (ت: 180هـ) واحدة، والحروف في مدارجها، ويعني بها الأصوات تبعًا للخليل، تبدأ بأقصى الحلق، وتنتهي بالشفتين، فهي عند سيبويه كما هي عند الخليل (1) .

ولكن ترتيب الحروف في كتاب سيبويه تخالف ترتيب الخليل، فحينما وضع الخليل الأبجدية الصوتية للمعجم العربي مبتكرًا لها، خالفه سيبويه في ترتيب تلك الأصوات، إذ بدأ بالهمزة والألف والهاء، وقدّم الغين على الخاء، وأخر القاف عن الكاف وهكذا. . .

يتضح هذا من ترتيبه للحروف على هذا النحو:

همزة. ا. هـ.

ع. ح. غ. خ.

ك. ق.

ض. ج. ش.

ي. ل. ر.

ن. ط. د.

ت. ص.

(1) ظ: سيبويه، الكتاب: 2>405.

ز. س. ظ.

ذ. ث. ف.

ب. م. و (1) .

وهذا وإن كان خلافًا جوهريًا في ترتيب مخارج الأصوات، إلا أنه لا يعني أكثر من العملية الاجتهادية في الموضوع دون الخروج عن الأصل عند الخليل. «كذلك نلاحظ اختلافًا واحدًا في ترتيب المجموعات الصوتية بالنظر إلى تقدمها وتأخرها، فقد جاءت حروف الصغير في كتاب العين بعد الضاد، وهو حرف حافة اللسان، والذي عند سيبويه بعد الضاد: حروف الذلاقة. ونتيجة لتقديم حروف الصفير، فقد وضع مكانها حروف الذلاقة، ومعنى ذلك أنه في العين حدث تبادل بين حروف الصفير وحروف الزلاقة» (2) .

إن الاختلاف من هذا القبيل لا يعدو وجهة النظر الصوتية المختلفة، ولكنه لا يمانع أن تكون آراء سيبويه في الكتاب امتدادًا طبيعيًا لمدرسة الخليل، نعم لا ينكر أن لسيبويه ابتكارته المقررة، فنحن لا نبخس حقه، ولا نجحد أهميته في منهجة البحث الصوتي، فقد كان له فضل بذلك لا ينكر، فتصنيفه لصفات الأصوات في الجهر والهمس والشدة والرخاوة والتوسط، وكشفه لملامح الإطباق واللين، وتمييزه لمظاهر الاستطالة والمد والتفشي، كل أولئك مما يتوّج صوتيته بالأصالة.

ولسيبويه قدم سبق مشهود له في قضايا الإدغام، وهي معالم صوتية في الصميم، فقد قدم لها بدراسة علم الأصوات، كما قدم الخليل معجمه بعلم الأصوات، فالخليل قد ربط بين اللغة والصوت، وسيبويه قد ربط بين قضايا الصوت نفسها، لأن الإدغام قضية صوتية «ونحن نقرر هنا مطمئنين أن سيبويه قد وضع قواعد هذا البحث وأحكامه لا لفترة معينة من الزمن،

(1) المصدر السابق والصفحة.

(2) حسام النعيمي، الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جنّي: 229.

بل يكاد يكون ذلك نهائيًا، وكان تصرفه فيها تصرفًا رائعًا، صادرًا عن عبقرية سبقت الزمن، فلم يكن ممن جاء بعده من العلماء والباحثين إلا أن اتبعوا نهجه، واكتفوا بما قال، ولم يزيدوا بعد سيبويه على ما قال حرفًا، بل أخدوا يرددون عباراته مع كتبهم، ويصرحون بأنهم إنما يتبعون مذهبه، سواء في ذلك علماء النحو وعلماء القراءة» (1) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت