فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17315 من 30278

وقد كان الخليل هو الرائد الأول لهذا الباب دون الخوض في التفصيلات المضنية للبحث الدلالي كما يفهم في لغة التحديث، لأن مهمته كانت لغوية إحصائية ولكنها على كل حال تشير إلى دلالة الألفاظ كما يفهمها المعاصرون عن قصد أو غير قصد، وهو إلى القصد أقرب وبه ألصق لما تميز به الخليل من عبقرية ولما اتسمت به بحوثه من أصالة وابتكار. وقد أفاد من ذلك كثيرًا سيبويه (ت: 180 هـ) كما يتضح من استقراء الكتاب.

2ـ وهذا أبو عثمان الجاحظ (ت: 255هـ) وهو حينما يتحدث عن مناسبة الكلام لمقتضيات المقام، وهي حالة بلاغية، إنما يتحدث عما يحدثه معنى اللفظ عند السامع من فهم لايتعدى فيه المتكلم حدود دلالة الألفاظ على المعاني لدى المتلقي فيقول: ـ (ينبغي للمتلكم أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك مقامًا حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني،

(1) حقق الدكتور عبد الله درويش عميد كلية دار العلوم في جامعة القاهرة ما عثر عليه من كتاب العين وطبعه ومن ثم قام الأستاذان الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي بتحقيقه كما تركه مؤلفه وقامت وزارة الثقافة والإعلام في العراق بطبعه طباعة أنيقة في ثمانية أجزاء.

ويقسم المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات) (1) .

وهو بهذا يريد أن يتحدث عن الدلالة في ابعادها المخصصة لها فلا تتعدى حدودها ولا تتجاوز مفهومها، وإن ربط بينها وبين عقلية المتلقي في مطابقة المقال لمقتضى الحال كما يقول البلاغيون، أو مطابقة الكلام لمناسبة المقام.

3ـ وأبو الفتح، عثمان بن جني (ت: 392 هـ) يعود بدلالة الألفاظ عند اختراعها وابتكارها وموضعتها إلى أصول حسية باديء ذي بدء حين تكلم عن ذلك.

وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي، ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد.

«وهذا عندي وجه صالح، ومذهب متقبل» (2) .

وكما ربط ابن جني بين الحس والأصداء والأصوات والانفعالات وبين ابتكار الألفاظ في أصولها الأولى، وترجيحه للرأي القائل بهذا على أساس تأثر الاستخراج النطقي بهذه المداليل الصوتية، فتكونت الكلمات، وتراصفت الألفاظ شدة وانطباقًا ورخاوة، فقد ربط بين استقرار هذه الألفاظ، وتمام فائدة الصوت الذي قد يكون مهملًا، وقد يكون مستعملًا، وعقد لذلك مقارنة دقيقة في استكناه الفروق المميزة بين الكلام والقول وإن هذا له دلالة وذلك له دلالة، وذلك أول مباحث علم دلالة الألفاظ في صيغتها الاصطلاحية السليمة.

يقو ابن جني في هذا الملحظ: ـ (ومن أدل الدليل على الفرق بين الكلام والقول: إجماع الناس على أن يقولوا: القرآن قول الله، وذلك إن

(1) الجاحظ البيان والتبيين: 1/ 139.

(2) ابن جني، الخصائص: 1/ 46 - 47.

هذا موضع ضيق متحجر لا يمكن تحريفه، ولا يسوغ تبديله شيء، فعبر لذلك عنه بالكلام الذي لا يكون إلا أصواتًا تامة مفيدة، وعدل به عن القول الذي قد يكون أصواتًا غير مفيده، وآراء معتقدة (1) .

وفي الملحظ نفسه نجده يتلمس المناسبة بين كلمتي المسك والصوار (2) .

ويستمر ابن جني في المنظور التطبيقي لدلالة الألفاظ فيستنبط العلاقة الدلالية لمادة (جبر) بكل تفريعاتها المتناثرة كالجبر والجبروت والمجرب، والجراب.

فيجد في قوتها وصلابتها وقسوتها وشدتها معنىً عامًا مشتركًا بين مفرداتها تجمعه القوة والصلابة والتماسك (3) .

ولا يكتفي بذلك حتى يعقد في كتابه المذكور فصلًا بعنوان (تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني) وبابًا آخر لمناسبة الألفاظ للمعاني، وقال عنه: إنه موضع شريف لطيف، وقد نبّه عليه الخليل (4) .

وإليك هذا النص الدلالي كما يقومّه ابن جني: ـ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت