من التأويل، إفادة للخلاف لا بواسطة وضع، كقولك: أنبت الربيع البقل، وشفى الطبيب المريض، وكسا الخليفة الكعبة، وهزم الأمير الجند، وبنى الوزير القصر» «1» .
والحق أن السكاكي لم يزد شيئا عما حققه عبد القاهر في التعريف بقوله: «وحدّه أن كل كلمة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه من العقل لضرب من التأول فهو مجاز» «2» .
وما دام عبد القاهر هو السبّاق لهذا الفن، وما دام غيره لم يزد عليه شيئا، فسيكون حديثنا منصبا حول ما أبدعه بالدرجة الأولى:
1 -لقد حقق عبد القاهر في المجاز الحكمي عنده، والعقلي عنده وعند غيره، ورأى أن وراء الكناية والاستعارة في البيان مجازا آخر غير المجاز اللغوي، وهو المجاز الحكمي المستفاد من طريق العقل لدى استقرار الجمل في التركيب، والنظر في مجموعة المفردات التركيبية للكلام، وقد فصل القول بهذا في حدود معينة في كتابيه الدلائل والأسرار.
يقول في دلائل الأعجاز:
«اعلم أن طريق المجاز والاتساع ... أنك ذكرت الكلمة وأنت لا تريد معناها، ولكن تريد معنى ما هو ردف له شبيه. فتجوزت بذلك في ذات الكلمة وفي اللفظ نفسه. وإذ قد عرفت ذلك فاعلم أن في الكلام مجازا على غير هذا السبيل. وهو أن يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة فقط، وتكون الكلمة متروكة على ظاهرها، ويكون معناها مقصودا في نفسه، ومرادا من غير تورية ولا تعريض.
والمثال فيه قولهم: نهارك صائم وليلك قائم، ونام ليلي، وتجلى همي، وقوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ... «3» .
(1) السكاكي، مفتاح العلوم: 208.
(2) عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة: 356.
(3) البقرة: 16.