فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 221

وقول الفرزدق:

سقاها خروق في المسامع لم تكن ... علاطا ولا مخبوطة في الملاغم

وقد عقب على هذه النماذج بقوله:

«أنت ترى مجازا في هذا كله، ولكن لا في ذوات الكلم، وأنفس الألفاظ، ولكن في أحكام أجريت عليها. أفلا ترى أنك لم تتجوز في قولك: نهارك صائم وليلك قائم في نفس «صائم» و «قائم» ولكن في أن أجريتهما خبرين على الليل والنهار، كذلك ليس المجاز في الآية في لفظة «ربحت» نفسها، ولكن في إسنادها إلى التجارة. وهكذا الحكم في قوله سقاها خروق، ليس التجوز في نفس «سقاها» ولكن في أن أسندها إلى الخروق. أفلا ترى أنك لا ترى شيئا منها إلا أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته؟ فلم يرد بصائم غير الصوم، ولا بقائم غير القيام، ولا بربحت غير الربح، ولا بسقت غير السقي ... » «1» .

2 -وعنده- في أسرار البلاغة- أن المجاز إذا وقع في الإثبات فهو متلقى من العقل، وإذا عرض في المثبت فهو متلقى من اللغة «2» .

ومسألة الاثبات والمثبت نشير لها توضيحا فيما يأتي:

أ- قال تعالى يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ... «3» .

فإن الجعل هو الوضع، والوضع حاصل وهو المثبت، ولا مجاز فيه، ولو تحقق لكان مجازا لغويا ولا شاهد فيه، وإنما المجاز في الآية في الإثبات، وهو فيها الأصابع، لأن المراد حقيقة بهذا الوضع: ذلك القدر المحدود من الأصابع الذي تستوعبه الآذان في الوضع- وهو عادة:

الأنامل فحسب والأنامل بعض الأصابع، وهنا تحقق المجاز في الإثبات، وهو الأصابع لإرادة الأنامل منها، لأن المثبت وهو أصل الوضع حاصل على حقيقته.

(1) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز: 193.

(2) ظ: عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة: 344.

(3) البقرة: 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت