والشعر ظاهرة فنية عريقة، صاحبت الحياة البشرية منذ فترة مبكرة من تاريخها، وستصحبها إلى ما شاء الله، هذا الشعر لا يخرج عن قانون التطور أيًا كان زمانه ومكانه، ولا يمكنه أن يتوقف عن التطور دون أن تتصلب شرايينه وتسكت نبضات الحياة فيه، فالتطور -أو لنقل التغير خشية أن بفهم التطور على أنه الاتجاه نحو الأفضل- خيط دقيق يمتد فيه طوال تاريخه، وقد يدق ويرق في عصر من العصور حتى لا يرى منه إلا أثر بسيط، ولكنه لا يغيب نهائيًا، والشعر العربي -مهما قيل عن ثباته وتطوره- لا يخرج عن هذه الحقيقة.
وقد أدرك الشعراء العرب هذه الحقيقة منذ القديم، وكان بعضهم واعيًا يحس نبضها في شعره، كما أدركها عدد من النقاد القدماء ورصدوها بمقاييس مختلفة، وجعلوها إحدى قضايا نقدهم التطبيقي حينًا والتنظيري حينًًا آخر، واتخذها بعضهم مقياسًا في تقويم العمل الشعري.
وفي العصر الحديث تطور قضية الحداثة وتطور مفهومها، وغَدت صاحبة الدور الأساسي في قيام الاتجاهات الشعرية الجديدة وكسب الأنصار والمؤيدين. ولابد -لتوضيح قضية الحداثة- من العودة إلى جذورها، والمرور بها -خطفًا- في الشعر والقديم ونقده، تمهيدًا لرصدها في العصر الحديث، والوقوف على بصماتها في الحركات الشعرية المتتالية، وتطروها بين هذه الحركات.
الحداثة في الشعر القديم:
بلغ الشعر العربي في الفترة التي نعرفها عن العصر الجاهلي -درجة عالية من النضج، وتنبئنا الصورة التي وصلتنا عنه أنه حصيلة تطورات فنية لا نعرفها، وأن قواعده بلغت درجة من الاستقرار جعلت الشعراء يخضعون لها حقبة طويلة من الدهر، ولو كانت بدايته المبكرة [1] مدونة لاستطعنا أن نعرف شكل تطوره واتجاهاته.