وانهزمت مقاومتي واقتنعت أنني مسلول.. وعدت إلى فراشي فاستلقيت على ظهري ورحت أحدق في السقف.. وقفزت إلى ذهني أسماء أصدقائي الذين ماتوا فمأمون دهسته السيارة ونحن نلعب الكرة أمام المدرسة, وموفق غرق في مسبح المزة، وسالم أصيب بالتهاب السحايا.. وطن في أذني صوت راح يعلو ويعلو حتى صرت لا أسمع غيره, وغدًا سيقولون: يونس مات بالسل عليه رحمة الله.
ووضعت إصبعي في أذني، وعبثًا حاولت أن أخلص من هذه الهواجس ومر أمامي شريط حياتي قصيرًا. سريعًا فما وجدت فيه ما يسر.. وكدت أصيح وأصرخ وغلبني الخوف والرهبة وقمت مسرعًا وفتحت الباب وانطلقت إلى الشارع. كان اليأس قد ملك على نفسي وحرت أين أذهب، وقررت أن أعود إلى الزبداني وخطر في بالي أن أصدقائي قد يكونون بانتظاري بالجامعة وأحسست بقرف شديد ونفور عنيف من الجامعة ومن فيها، وأي أمل لي وراءها.. وبدأت أشعر بالكراهية لها، فلولاها لما عرفت أنني مسلول.. لو بقيت جاهلًا ما أنا عليه لكان خيرًا لي فإنني سأبقى متمتعًا بالحياة.. ولكن الآن انتهى كل شيء ولم يبق من الحياة إلا القليل.
وسرت وكأني أجر رجلي حتى وصلت منطلق السيارات وامتطيت واحدة وجلست بجانب النافذة, وأسندت رأسي إلى الزجاج..