فهرس الكتاب

الصفحة 1438 من 23804

وتتجلى هذه الظاهرة أيضًا في موقف الفاتح الصالح ذي القرنين إذ عرض عليه أهل ما بين السدين مالًا عظيمًا يؤدونه سنويًا له ليبني لهم سدًا يحميهم من غارات يأجوج ومأجوج فرفض العرض ودعاهم إلى الاعتماد على أنفسهم ومساعدته بالرجال والمعادن لينفعهم بخبرته ويقيم لهم ردمًا خير من السد: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [5] .

لقد كان سليمان وذو القرنين عليهما السلام أغنى أهل الأرض في يومهم وكان المال لا يدخل في حسابهما في شيء إلا بما ينفع عباد الله وبما يرضي الله. واختاره الله محمدًا صلى الله عليه وسلم نبيًا لا نشب عنده ولا متاع وقال الأثرياء من العرب: {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [6] ولما رأوا الدعوة تنتشر انتشار البرق علموا أن ليس معدن العظمة المال، وأن العظمة الحقيقية في القيم الربانية وفي الشرع الإلهي الذي يستقر في قلب ويجري عملا صالحًا وقد تدفقت الأموال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعلق بقلبه شيء منها ولا تزود بغير زاد سنة. نهض مرة بعد التسليم مسرعًا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته قال:"ذكرت شيئًا من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته" [7] .

ورأت أمهات المؤمنين الأموال تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتاقت نفوسهن إلى التوسعة ورغبن فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى الرسول إلا أن يكون هو وبيته مثلًا على الرضا بالكفاية وجاءهن من الله التخيير؛ إما الصبر على رسول الله على ما أراد الله له من تقديم الآخرة على الدنيا وإما التسريح والتمتيع، فاخترن الله ورسوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت