ثم نزل قوله سبحانه وتعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} . (سورة الحجر: 94) فأظهر صلى الله عليه وسلم الدعوة وخرج في أصحابه إلى الكعبة في نظام دقيق لم تعهده العرب من قبل، فطاف بهم حول الكعبة، ونادى قريشًا وأبلغهم الدعوة فهتف به عمه أبو لهب:"تبًّا لك ألهذا دعوتنا؟", فنزل قوله سبحانه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} . (سورة المسد: ا- 3) . فانتقلت الدعوة من دور الاستخفاء إلى دور الإعلان، ومن دور الاتصال بمن يأنس فيهم الاستعداد إلى دور مخاطبة الناس جميعًا، فلقي المسلمون من عداوة مشركي قريش وعنتهِم الشيء الكثير، ولكن الدعوة سارت في سبيلها، ولم يرفع المسلمون سيفًا أو يشرعوا رمحًا، إنما كانوا يدعون إلى سبيل ربّهم بالحكمة والموعظة الحسنة، يتفاعلون مع المجتمع، وتتنزل الآيات تصارع عقائد المشركين وعاداتهم وتقاليدهم دون مهادنة لزعمائهم.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصارع بدعوة الإسلام عقائد الجاهلية جاهدًا لإحلال العقيدة الإسلامية محل العقائد الزائفة ببيان زيف تلك المعتقدات وسخافة عقول معتنقيها، يتلو عَليهم ما ورد في القرآن الكريم من قصص الأمم السابقة التي تشبههم في عبادة الأوثان ليوقظ تلك العقول الجامدة لعل أصحابها يتعمقون في التفكير، وينذرهم بالعذاب الشديد لعكوفهم على عبادة الأوثان، فكان يتلو عليهم: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} . (سورة الأنبياء: 98) .