إنّ المطلع على أسلوب الكتابة عامة، وكتابة العهود والمواثيق والمراسلات الرسمية خاصة في عصر صدر الإسلام، يدرك أنها كانت تعمد إلى الاختصار، وتبتعد عن المقدمات، وألفاظ التفخيم، والمحسنات، وتعالج الموضوع المقصود مباشرة، بأوضح الألفاظ وأقل الكلمات. كما أن من غير المحتمل ولا المقبول عقلًا أن ترد في هذه الروايات شروط وعهود تنظم أحوالًا وأوضاعًا لم تكن قد وجدت بعد.
لذلك يتوقع المطلع والمؤرخ أن يكون هذا العهد مصوغًا بأسلوب ذلك العصر، وأن يتضمن نصًا يعطي لأهل الذمة أمانًا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم وعبادتهم، مقابل دفع الجزية والدخول في طاعة المسلمين [9] .
وبناء على ذلك نستنتج أن أقرب النصوص توافقًا مع مثل هذه الصيغة المتوقعة هو ما نقلناه عن اليعقوبي [10] ، وابن البطريق [11] ، وابن الجوزي [12] . وذلك لأن هذه النصوص قد جاءت مختصرة، ومعانيها وألفاظها أقرب ما تكون لما هو متوقع من عهد كتب في ذلك العصر، وإنها وإن اختلفت بعض الكلمات فيما بينها، تشير إلى أنها قد أخذت عن مصدر واحد. والأرجح أن اليعقوبي قد روى عن مصدر أقدم منه قد يكون سيف وإن لم يشر إلى ذلك، كما يرجح أن ابن البطريق قد نقل عن اليعقوبي أو عن مصدر نصراني. أما ابن الجوزي فإنه قد نقل عن أحدهما، على الأغلب.